منذ سنوات طويلة نشر المجلس القومى للمرأة فى مصر كتابات وثق خلالها قصص نجاح المرأة المصرية فى صناعة التاريخ والمجد لبلادها.. قصص إنجازات عظيمة للمرأة المصرية عبر العصور المختلفة وحتى عصرنا الحالي، ومن بينهن الست فاطمة اليوسف صاحبة مجلة «روز اليوسف» والتى حفرت اسمها بحروف من نور فى تاريخ المرأة العربية والمصرية.
كانت فاطمة اليوسف تقول «كلنا سنموت ولكن هناك فرق بين شخص يموت وينتهي.. وشخص مثلى يموت ولكن يظل حيا بمسيرته».
لم تقتصر شهرة فاطمة على العمل الصحفى من خلال مجلة «روز اليوسف» فقط ولكن سطع نجمها فى العمل الفنى عندما عملت ممثلة بعدد من الفرق المسرحية فتصبح فاطمة اليوسف اسطورة الفن والصحافة.. وبلغت ذروة المجد عندما مثلت دور «مارجريت جوتين» فى رواية غادة الكاميليا ونالت لقب «برنار الشرق».
وفى هذه الحلقة من «نساء فى تاريخ مصر».. نواصل الحديث عن اسطورة الفن والصحافة فاطمة اليوسف أو روز اليوسف.. والتى تطرقنا إلى سيرتها الأسبوعى الماضي.. ولأنها من الشخصيات الثرية.. فقد امتدت سيرتها إلى حلقة ثانية نستعرض خلالها محطات مهمة فى سيرة الفنانة والصحفية الراحلة «روز اليوسف».
إن أهم ما يميز سيرة الفنانة والكاتبة الصحفية الراحلة روز اليوسف الظروف الاجتماعية الصعبة التى نشأت فيها وكذلك خوضها مجال العمل والوقوف على خشبة المسرح، وفى الصحافة ومتاعبها، خاصة السياسية ومصادرة أعداد المجلة، والتهديد بالسجن والعجز المالي، ورغم هذه الظروف لم تستسلم، وكانت تدعو كل نساء العالم الى العمل، لان العمل جزء اصيل من مكونات الشخصية الانسانية حتى قال عنها صاحب «دمى ودموعى وابتسامتي» لاحد الصحفيين عندما سأله عن تعلقه بامه وعشقه لها (وهى لا تكف عن العمل): «أمى ليست امرأة، انها رجل متنكر فى شخصية امرأة».
ولدت فاطمة اليوسف (وهذا هو اسمها الاصلي) سنة 1897 فى مدينة طرابلس اللبنانية. واسم روز اطلقته عليها الاسرة المسيحية التى رعتها فى طفولتها بعد وفاة والدتها. وصلت روز الى مصر وهى فتاة صغيرة، وحالفها الحظ عندما تعرفت على الفنان عزيز عيد. وتعلمت على يديه فن التمثيل. والطريف ان اول دور مثلته فاطمة، وهى فى سن المراهقة، كان دور جدة فى مسرحية عنوانها «عواطف الابناء». وكانت تلك خطوة اولى قادتها الى احتراف التمثيل المسرحي، أولاً تحت رعاية عزيز عيد.
اما العمل الاكبر الذى اطلق شهرتها فى ذلك الحين فكان توليها بطولة اوبريت «العشرة الطيبة» التى لحنها سيد درويش ليخرجها عزيز عيد. بعد ذلك، وفى عالم يوسف وهبي، عادت فاطمة اليوسف لتعرف مزيداً من الشهرة حيث سرعان ما اصبحت بطلة فرقته «رمسيس»، وراحت ترافق الفرقة من نجاح إلى نجاح.
وبعد ذلك عملت مع جورج ابيض حتى اصبحت الممثلة الاولى واطلق النقاد عليها (سارة برنار الشرق) وكان سبب وصفها هذا، عندما قامت بدور (مارجريت جوتيه) فى مسرحية غادة الكاميليا.
تزوجت من الممثل محمد عبدالقدوس وأنجبت منه الكاتب الكبير احسان عبدالقدوس، ثمَ تزوجت بالممثل والمخرج زكى طليمات.
وفى عام 1925 تبنت فكرة اصدار (مجلة فنية نقدية محترمة) اعطتها اسم شهرتها «روز اليوسف»، عنواناً، وفى 1925/10/26 صدر العدد الاول من مجلة روز اليوسف التى اتجهت منذ البداية لتأييد حزب الوفد، غير ان تأييدها للوفد كان محدوداً وناقداً، وهكذا سرعان ما وجدت السيدة نفسها تخوض اعنف المعارك ضد ورثة سعد زغلول فى ذلك الحزب، لا سيما منهم مصطفى النحاس ومكرم عبيد. وهنا انفتحت معركة الوفد ضد روز اليوسف.
وعندما تظاهر بعض اعضاء حزب الوفد امام مقر مجلة روز اليوسف للتنديد بسياسة المجلة، السياسية التى لم تعجب قادة حزب الوفد، وكادوا يقترفون جريمة تدمير مقر المجلة (بالرغم من انها كانت عضوة بحزب الوفد) فانها امتلكت شجاعة الخروج من مكتبها. وواجهت المتظاهرين. وناقشتهم فى اسباب موقفهم العدائى للمجلة. وذكرت لهم ما قامت به المجلة من ادوار وطنية ضد المحتل البريطاني، فاذا بالمتظاهرين ينصرفون شاعرين بالخجل.
الحقيقة أنه لو أن صاحب «لا أنام» و»أنا حرة» وغيرهما من الروايات العاطفية، قدّم السيدة باسم آخر هو روز اليوسف، لكان الغموض أقل بكثير. فاسم روز اليوسف كان فى ذلك الحين على كل شفة ولسان. «روز اليوسف» لم يكن سوى اسم واحدة من أشهر المجلات السياسية الأسبوعية القاهرية. بل المجلة الأشهر منذ كان إحسان عبد القدوس نفسه قد نشر فيها قبل فترة من اندلاع الثورة المصرية سلسلة مقالات تفضح صفقات الأسلحة الفاسدة التى تسببت فى هزيمة الجيش المصرى فى فلسطين.
ماذا؟ هل نحن أمام تشابه أو خلط فى الأسماء. وما لنا نجد إحسان عبد القدوس هنا وهناك؟ هل فى الأمر مصادفة؟ على الإطلاق فروز اليوسف هو بالفعل الاسم الفنى الذى اختارته لنفسها فاطمة اليوسف أم إحسان عبد القدوس نفسه، ثم أطلقته على مجلتها حين أسستها أول الأمر تحت رعاية حزب الوفد ثم فى انفصال عنه بل فى صراع معه، فى مغامرة انتقال من الفن المسرحى إلى الصحافة والسياسة ندر أن خاضتها امرأة فى الحياة العامة العربية. بالتأكيد كانت فاطمة روز اليوسف واحدة من أهم السيدات اللواتى عرفتهنّ الحياة الفنية والصحفية والسياسية فى مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، بل لعلها الوحيدة فى تاريخ العرب الحديث التى عرفت كيف تجمع الفن والسياسة والثقافة فى بوتقة واحدة، مضيفة إلى ذلك كله إنجابها لواحد من أكبر وأشهر كتّاب الرواية العرب: إحسان عبدالقدوس.
من هنا إذاً كان ذلك التقديم الذى خصّها إحسان به فى ذلك البرنامج الإذاعى الذى تحدثنا عنه أعلاه. والآن إذا أضفنا إلى ذلك التراكم المعلوماتى كله أن السيدة المصرية التى قدمها الكاتب على تلك الشاكلة كانت… لبنانية فى الأصل لا مصرية، ستصبح المسألة جديرة بأن ننصح القراء بمحاولة العثور على كتاب مذكراتها الذى أصدرته السيدة نفسها يوماً راوية فيه سيرة حياتها المدهشة حقاً، حيث إنها تصور فيه من خلال سيرتها جزءاً أساسياً من الحياة الفنية ثم الصحفية والسياسية فى مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين. ومن خلال ذلك يكتشف القارئ حكاية حياة وصراعات وتطورات لا يمكن تصورها. ولئن كنا نعرف أن العثور على مثل هذا الكتاب ليس بالأمر السهل فى أيامنا هذه، سيكون من المفيد هنا، وفى انتظار وصول الكتاب إلى القراء أن نشير إلى أنه لم يكن ثمة شيء فى طفولة فاطمة اليوسف يقول إنها ستكون ذات يوم، كل هذا.
فالطفلة ذات الأصل اللبنانى السورى الطرابلسي، كانت مجرد طفلة يتيمة حطت رحالها مصادفة فى القاهرة عند أوائل القرن العشرين وهناك، ولسبب لن يبدو لنا واضحاً لا هو ولا ظروفه ولم يحدث أن فصّلته هى لا فى كتابها ولا فى تصريحاتها الصحفية، كما أن ابنها إحسان لم يفِ أبداً بوعود منه كانت تتعلق برواية حكاية بدايات أمه، لسبب غامض إذاً، أولعت المراهقة الحسناء بعالم المسرح وأضوائه الباهرة، ولا سيما حين كانت تتسلل للتفرج على مسرح يقع وسط العاصمة المصرية. وهناك، كما تقول الحكاية، اكتشفها الفنان عزيز عيد ذات يوم فدهش بمثابرتها على التسلل لمشاهدة العروض، ولم يلبث أن جعل منها ممثلة.
مراهقة فى دور الجَّدة
والطريف أن أول دور مثلته فاطمة، وهى فى سن المراهقة، كان دور جدة فى مسرحية عنوانها «عواطف الأبناء». وكانت تلك خطوة أولى قادتها إلى احتراف التمثيل المسرحي، اولاً تحت رعاية عزيز عيد ثم تحت رعاية جورج أبيض وأمين الريحاني. أما العمل الأكبر الذى أطلق شهرتها فى ذلك الحين فكان توليها بطولة أوبريت «العشرة الطيبة» التى لحنها سيد درويش ليخرجها عزيز عيد. بعد ذلك، وفى عالم يوسف وهبي، عادت فاطمة اليوسف لتعرف مزيداً من الشهرة حيث سرعان ما أصبحت بطلة فرقته «رمسيس»، وراحت ترافق الفرقة من نجاح إلى نجاح، حتى بدأ التدهور يصيب ذلك المشروع فقررت فاطمة اليوسف – وقد باتت تحمل اسمها الفنى الذى ستعرف به قبل أن يخلّد كعنوان لمجلتها روز اليوسف – أن تعتزل المسرح قائلة: «إن الفنان يجب أن يترك المسرح قبل أن يتركه المسرح» واعتزلت وسافرت إلى باريس. ولقد ظلت على اعتزالها تسع سنوات، ولم تعد إلى المسرح إلا لمناسبة وطنية حين احترقت قرية «محلة زيادة» فقررت مع رفاقها القدامى أن تقدم مسرحية «غادة الكاميليا» لليلتين تبرعاً من أجل إعادة بناء القرية. والحال أن إقامتها فترة فى باريس ثم أداءها فى القاهرة لدور غادة الكاميليا قد جعلا الجمهور والصحافة فى ذلك الحين يطلقان عليها لقب «سارة برنار الشرق» بالنظر إلى أن الفنانة الفرنسية الشهيرة كانت قد عُرفت بالدور نفسه.
وعى وطنى
ولقد أيقظها حريق تلك القرية ومساهمتها الفنية فى إعادة إعمارها على الواقع الاجتماعى والسياسى فى مصر، فإذا بها فى تلك الفترة بالذات تقرر إصدار تلك المجلة التى فاجأت الجميع بأن أعطتها اسم شهرتها «روز اليوسف»، عنواناً لها وأعلنت لرفاقها، وفى مقدمتهم محمد التابعى أنها مستعدة لبيع كل ما عندها من أجل تدبير مبلغ الإثنى عشر جنيهاً التى يتكلفها إصدار مجلة فى 3000 نسخة. وهكذا كان وصدرت «روز اليوسف» التى اتجهت منذ البداية لتأييد حزب الوفد، غير أن تأييدها للوفد كان محدوداً وناقداً، وهكذا سرعان ما وجدت السيدة نفسها تخوض أعنف المعارك ضد ورثة سعد زغلول فى ذلك الحزب، لا سيما منهم مصطفى النحاس ومكرم عبيد. وهنا انفتحت معركة الوفد ضد روز اليوسف، لكن السيدة لم تكن وحدها، إذ وقف إلى جانبها عباس محمود العقاد ومحمود عزمى اللذان راحا يكتبان المقالات العنيفة ضد الوفد وحكومته، فما كان من الوفد إلا أن جمع أنصاره وهاجم مبنى المجلة حيث راح المتظاهرون يقذفون المبنى بالحجارة، فما كان من فاطمة اليوسف إلا أن جابهت الجمهور شارحة وجهة نظرها فى أسلوب ممارسة مصطفى النحاس للحكم.
صراع ضدّ الجميع
ولكن لئن كانت السيدة قد انتصرت فى تلك اللحظة، فسرعان ما خسرت على المدى الأبعد، حيث أدت مقاطعة الوفد والحكومة لها إلى خسائر مالية ضخمة أوردتها مورد الإفلاس فأودعت السجن، لكنها خرجت منه أكثر تصميماً وراحت تخوض معركتها الصحفية والسياسية، ضد الوفد والإنجليز والقصر وصارت «روز اليوسف» مدرسة فى الوطنية وكتب فيها معظم الصحفيين الكبار، وراحت تكشف الفضائح (مثل فضيحة الأسلحة الفاسدة التى أشرنا إليها والتى يقال إن مقالات عبد القدوس فيها هى التى أطلقت شرارة ثورة 1952) وبقيت السيدة تشاكس، وظلت المجلة قائمة تحمل اسم مؤسستها بعد رحيل فاطمة اليوسف فى أبريل (نيسان) 1957 وبعد رحيل الوفد نفسه وزعاماته.
فى برنامج إذاعى له عام 1957 تحدث إحسان عبدالقدوس عن والدته قائلا: إن وجودها حدث استثنائى فى الحياة الاجتماعية المصرية حينها؛ بل على مدار عقود كان اسم «روزاليوسف» وحده يعنى «المعركة» فهى أول الصحف المصرية بل العربية التى اختارت أن تسبح خارج التيار وأن تنشئ مدرستها المتفردة فى فن الصحافة.. مدرسة تقوم على الاشتباك.. حرية القلم.. الإبداع.. فهى بطاقة التعارف الأقوى لكل صاحب قلم وكلمة.. وكانت «الست فاطمة» كما كان تُدعي، هى أول من فتح باب الإبداع الحر أمام أجيال من أصحاب الكلمة، فـ»روزاليوسف» كانت ولا تزال «ختم الجودة» لكل صحفى اختار أن يكافح لتعتلى كلمة الحق فوق أى منبر وفوق سماء الحريات.
الحرب والكلمة
بعد أزمة الوفد خاضت فاطمة اليوسف العديد من المعارك السياسية على صفحات مجلتها التى تحولت إلى منبر للسياسة العربية فى عام 1927، وكان أبرز معاركها الصحفية عام 1930 عندما تم تعطيل الدستور دافعت «روزاليوسف»، بالكلمة والرسم عن الشرعية، وهو ما استفز رئيس الوزراء محمد محمود باشا، فصادر المجلة، وبعدها – فى حكومة إسماعيل صدقى – عندما ألغى دستور 1923 – كانت المجلة أقوى المدافعين عنه، وهو ما دعا صدقى باشا لإلغاء ترخيصها.
لم تستسلم فاطمة اليوسف لكل تلك الملاحقات والمصادرات فكانت تسارع للحصول على ترخيص لمجلات بأسماء مختلفة، وبحسب الكاتب الصحفي، شفيق أحمد علي، فإنها فى تلك الفترة أصدرت ثلاث مجلات وهي: الرقيب (وقد ألغت الحكومة رخصتها بعد 4 شهور فقط) ومجلة «صوت الحق» (وقد صودرت بعد العدد الأول) ثم مجلة «مصر الحرة» (ولحقت بأخواتها سريعا أيضا) وكانت فاطمة اليوسف – بتأمل أسماء ما أصدرته من مجلات – تعتبر أنها فى مهمة وطنية، أو ما أسمته «شرف الجهاد والدفاع عن قضية مصر».
معارك سياسية
بعد سنوات من المعارك السياسية دخل الكاتب الشاب إحسان عبد القدوس معترك والدته، وبدأت كتاباته تتسم بطابع «معارك روزا» ففى عام 1945 نشرت مجلة «روزاليوسف» مقالًا للصحفى الشاب إحسان عبدالقدوس يهاجم فيه السفير البريطانى بعنوان: «الرجل الذى يجب أن يذهب».
وجاء فى التفاصيل، وفق ما نقله الكاتب محمد توفيق: «من حق إنجلترا أن تتمسك بفخامة اللورد «كيلرن» سفيرًا لها فى مصر، ولكن من حق مصر أيضًا أن تطالب بسحبه من منصبه، وإبداله بغيره، فقد فشل فى مهمته كسفير لبلده لدى بلد آخر مستقل له سيادة».
وواصل إحسان حديثه عن السفير البريطانى قائلًا: «أعطى لنفسه حقوقًا فاقت حقوق المندوب السامى فى بلد مستعمر؛ فالرجل الذى اقتحم قصر عابدين على رأس فرقة من الدبابات ليس سفيرًا، ولا مندوبًا ساميًا، إنما هو قائد جيش معتدٍ».
وقبل أن يخرج عدد مجلة «روزاليوسف» الذى يحوى هذا المقال، صدر قرار من رئيس الحكومة محمود فهمى النقراشى بمصادرته، لأنه يتضمن «عيبًا فى سعادة سفير بريطانيا»، ولم يتم الاكتفاء بمصادرة العدد، لكن صدر قرار بالقبض على إحسان عبدالقدوس، ووضعه فى السجن بدعوى أن المقال تسبب فى إفساد العلاقات بين مصر وبريطانيا.
ومرت شهور، وخرج إحسان من السجن،.
وفى ذات اليوم وقعت فاطمة اليوسف قرار تتعيينه لرئاسة تحرير المجلة السياسية الأولى فى العالم العربى ولم يكن قد أتم عامه السابع والعشرين واستمرت معارك «روز اليوسف» تحت رئاسة تحرير إحسان عبدالقدوس وقيادة الست فاطمة حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952.
أمٌ عنيدة
فى العدد الألف من مجلة روزاليوسف، كتب الأديب الراحل إحسان عبد القدوس، ابن الراحلة روز اليوسف، عام 1947 مقالاً ذيّله بعبارة تُلخص روز اليوسف ككيان ورمز وانحياز يجمع صحافيى المجلة «ليس لجمعية روزاليوسف رئيس، ولكن لهم أم، أم ضحت وهى تُعلم أولادها كيف يُضحون… أم عنيدة وهى تعلم أولادها العناد، وأم انتصرت وهى تُعلم أولادها كيف ينتصرون… هى أمي… وأمهم… وأم كل من له رأي، وله مبدأ، وله فن».
يلتقط الكاتب الصحفى والمتخصص فى تراث «روز اليوسف» رشاد كامل، خيوط العناد والتحدى التى يعتبر أنّها العماد الرئيسى فى تكوين شخصية «روز اليوسف» الصحفية الراسخة إلى الآن، ويعتبر أنّ هذه المقومات ارتبطت بقصة تأسيس المجلة، يروى فى حديثه لـ»الشرق الأوسط» خلال لقاء معه فى مقر المؤسسة: «راودت روز اليوسف فكرة وهى تجلس مع عدد من أصدقائها المسرحيين، فى وقت كانت المجلات الفنية فى هذا الوقت مليئة بالإساءة والنميمة، ففكرت أن تؤسس مجلة فنية تُدافع فيها عن الفن، واستشارت أحد الأصدقاء حول تكلفة إطلاق مثل تلك المجلة، واستخرجت على الفور تصريحاً من وزارة الداخلية لإصدارها، وطلبت من الصحفى الكبير محمد التابعى مساعدتها فى تأسيسها، وخرجت أول 10 أعداد من المجلة ما بين مواد تتراوح بين الفن والثقافة والأدب، ولكن لم يلتفت أحد للمجلة».
كان الأمر على ما يبدو بحاجة إلى «ثورة» تلفت الأنظار للمجلة، وعبر معادلة أجاد صنعها التابعي، أدخل الصحفى المتمرس المحتوى السياسى للمجلة، وحققت وقتها نجاحاً كبيراً، لكن الأمر لم يخل، حسب رشاد كامل، من اعتراض المحيطين بصاحبة الفكرة على اسم المجلة، بمن فيهم زوجها آنذاك زكى طليمات، ونصحها بأن تُطلق عليها اسم مجلة (الأدب العالي)، فرفضت، وأصرّت على اسم (روزاليوسف)، لأنّها كانت وقتها أشهر ممثلة فى مصر، فلن تحتاج لعمل دعاية لمجلتها، وكانت قد اعتزلت التمثيل قبل تأسيسها المجلة بأشهر قليلة، بعد عملها فى أشهر فرق التمثيل منها فرقة رمسيس وصاحبها الفنان يوسف وهبي، وشركة ترقية التمثيل العربى وصاحبها طلعت حرب.
لم يكن الطريق سهلاً بالنسبة للمجلة الواعدة أو مؤسستها، ففى سنة 1934. اختلفت مع محمد التابعى فاستقل عنها، وأخذ معه نجوم مجلة روزاليوسف فى هذا الوقت، منهم على ومصطفى أمين، وجلال الدين الحمامصي، والشاعر سعيد عبده، ورسام الكاريكاتير صاروخان، فاعتقد الناس وقتها أنّ المجلة قد انتهت، غير أنّ ذلك، وفق كامل: «قادها (فاطمة اليوسف) لتحدٍ أكبر، فقررت إطلاق جريدة يومية إلى جانب المجلة لتُثبت للجميع أن روزاليوسف اسم لا يموت، وصدر أول عدد من الجريدة اليومية فى 25 مارس (آذار) عام 1935. وطلبت وقتها من الدكتور محمود عزمى أن يترأس تحرير الجريدة، وتشاورت مع عباس محمود العقاد ليكتب بها وحدثت بينهما مناقشة شهيرة اعترض فيها العقاد الذى كان يكتب وقتها فى صحيفة «البلاغ» على أن يكتب فى جريدة اسم صاحبتها سيدة، ولكنّه وافق بعد ذلك، وبعد مشادة مع محمود عزمى أتت بالمناضل السياسى عبد الرحمن بك فهمى ليكون رئيساً للتحرير، وكان من يكتب فى هذا الوقت لديها نجيب محفوظ الذى كان وقتها شاباً فى عامه الأول بكلية الآداب، وبنت الشاطئ عائشة عبد الرحمن، ووصل توزيع الجريدة فى هذا الوقت إلى 80 ألف نسخة يومياً، وكانت تحوى صفحة يومية للسينما، وأخرى للإذاعة.
يوم السبت
كان لروز اليوسف عبارة شهيرة تقول: «لو كان يوم السبت رجلاً لقتلته»، وهو اليوم الذى يُوافق الصدور الأسبوعى للمجلة، وكانت قد اعتادت فى هذا اليوم على تربُص الحكومة بأعداد المجلة بعد وصولها للموزعين لمصادرة الآلاف منها، مما يؤدى لخسارتها الفادحة ما بين تكاليف وطباعة ومُعلنين.
ويسجل تاريخ مؤسسة «روزاليوسف»، أنّها فى سنة واحدة خلال عهد رئيس الوزراء المصرى الأسبق، إسماعيل صدقى باشا، أصدرت 4 مجلات، كانت مجلة «الصرخة» أبرزها، والتى صدرت تباعاً من نوفمبر (تشرين الثاني) 1930 وحتى العدد 17 فبراير (شباط) 1931.
وكتب كامل مقدمة طبعة توثيقية تحمل عنوان «تراث روزاليوسف – الصرخة: مجلة ضد الاستبداد» جاء فيها: «أصدرت مؤسسة المجلة، أكثر من مطبوعة عقب إغلاق وتعطيل الحكومات المستبدة لمجلة روزاليوسف، وكانت المجلة قد عُطلت وصودرت أكثر من مرة ففى السنتين الثالثة والرابعة فقط لها صودر 42 عدداً من إجمالى 104 أعداد، غير ما خضعت له من تحقيقات ومحاكمات، وكانت المجلة فى وزارة عبد الخالق ثروت من 25 أبريل (نيسان) 1927 حتى مارس 1928 قد توقفت عن الصدور بسبب مقالات للتابعى ومنها ما كان بعنوان «ملوك وملكات أوروبا تحت جنح الظلام» و»ولى عهد مصر يجرى فى عروقه دم فرنسي» و»مطلقات خديو مصر السابق عباس حلمى الثاني» وتم القبض على التابعي.
وبذلك كانت مجلة «الصرخة» هى خط الدفاع الثانى عن مجلة «روزاليوسف» بنقدها السياسى اللاذع.