القلب الصادق هو وحده الذى يشعر بوجع الآخرين، وتكفى كلمة طيبة لتُغير مسار يوم كامل لأى إنسان يتقلب بين الهموم.. فى تفاصيل حياتنا اليومية، تجد أن فعل الخير الحقيقى يحتاج إلى إحساس صادق.
قبل أيام وصلتنى حكاية تشبه حكايات كثيرة تروى كفاح الناس وبساطتهم؛ بطلتها سيدة تدعى «فاطمة»، جاءت من أطراف الصعيد، وتحديداً من مدينة إدفو بمحافظة أسوان (أهل الناس الطيبين)، سمعت فاطمة عن المستشفيات الكبرى فى العاصمة وما تقدمه من رعاية طبية مجانية للحالات الإنسانية، فعزمت أمرها وحزمت حقائبها البسيطة لتصحب معها والدتها التى تعانى من مرض مزمن بالكبد، وشقيقها الذى تعرض لحادث أليم تسبب فى كسر بالعمود الفقرى وأدى إلى شلل كامل، إضافة إلى ابنتها الصغيرة التى تعيش منذ عامين مع آثار كسر مضاعف فى الجمجمة وتستدعى حالتها متابعة دورية مع كبار الاستشاريين.
وصلت الأسرة إلى القاهرة وفى أعينهم ألف أمل؛ توجهوا فوراً إلى مستشفى الهلال، وهناك التقوا بأطباء أبدوا إنسانية بالغة؛ فلم يقتصر الأمر على التشخيص الدقيق ووصف العلاج المناسب، بل تحملت المستشفى تكلفة الفحوصات والأشعة كاملة، ولم تدفع الأسرة سوى ثمن تذكرة العيادة الخارجية البسيط، شعرت فاطمة وأهلها أن باباً واسعاً من الفرج قد فُتح أمامهم، وهدأت النفوس قليلاً بعد رحلة سفر طويلة وشاقة عبر مسافات بعيدة من أقصى الصعيد.
لكن تفاصيل الحياة فى العاصمة لا تخلو من العقبات المفاجئة؛ فقد طلب الطبيب المعالج استشارة طبية جديدة بعد أسبوع كامل لمتابعة تطورات الحالة الصحية بدقة، هذا الموعد فرض على الأسرة البسيطة الإقامة فى القاهرة طوال تلك الأيام، بحثوا عن مكان يسترهم، فوجدوا فندقاً متواضعاً للغاية فى منطقة الموسكي، حيث كانت ليلة الإقامة تكلفهم مائتى جنيه، وهو رقم يفوق طاقتهم المالية المحدودة، أضف إلى ذلك ارتفاع أسعار المواصلات والوجبات اليومية مقارنة بما اعتادوا عليه فى قريتهم الهادئة بأسوان، وتدريجياً نفد كل ما كانت تدخره الأسرة من أموال قليلة، ووجدوا أنفسهم فى منتصف الأسبوع بلا مليم واحد يسترهم.
فى تلك اللحظة القاسية اضطرت فاطمة للتواصل مع أهلها فى الصعيد لتدبير مبلغ على سبيل الاستدانة حتى موعد الزيارة الطبية، وبعد الانتهاء من استشارة الطبيب، واجهتهم أزمة جديدة؛ فلم يتبقَ معهم ما يكفى لشراء تذاكر القطار للعودة إلى ديارهم. وحين تواصلت معى وشرحت الموقف بكل تفاصيله وأرسلت التقارير الطبية، تواصلنا فوراً مع بعض أهل الخير وأصحاب الأيادى البيضاء، وفى نفس اليوم تم توفير ثمن تذاكر القطار بالكامل، لتستقل فاطمة وأسرتها القطار عائدين إلى أسوان بسلام وطمأنينة.
أشكال الخير كثيرة، وجميل جداً أن يرى الإنسان نفسه جزءاً من هذه السلسلة الإنسانية فى تفاصيل يومه، أتذكر جيداً عندما كنت أتوجه مع زميلاتى إلى نقابة الصحفيين، فوقعت أعيننا على مطعم للمشويات امام سنترال رمسيس أمامه طوابير طويلة من عشرات البسطاء؛ لم يكونوا منتظرين لشراء وجبات فاخرة برائحتها الشهية، لكنهم كانوا يصطفون للحصول على وجبات ساخنة مجانية يخصصها صاحب المطعم كل يوم لإطعام المحتاجين والمساكين،غمرتنا بهجة حقيقية لرؤية هذا المشهد العفوي، وشعرنا كأننا شاركناهم فى أجر هذا العطاء الذى يعيد الروح للمجتمع.
تتعدد صور الخير وتتنوع فى حياتنا البسيطة؛ فنجد شاباً يعين مسناً على عبور الطريق المزدحم، أو تاجراً يتغاضى عن دين غارم ضاقت به السبل، أو طبيباً يفتح عيادته لمرضى لا يقدرون على ثمن الدواء، أو جارة تطهو طعاماً إضافياً لتهديه لمن يحتاجه فى نفس الشارع الذى تسكن فيه، هذه المواقف الصغيرة هى الدعامة الحقيقية التى تحافظ على تماسك مجتمعنا.
نحن هنا نمثل حلقة وصل مباشرة بين حاجة المواطن وبين عون الدولة وأهل الخير، لتستمر مسيرة العطاء وتصل الاستغاثة لمن يستحقها.









