لن أتبع الهوى، ولن أجعله إلهًا يُعبد من دون الحق. أحاول، ما وسعنى الجهد، أن أتماسك وأتوكأ على عصا العقل والمنطق والواقع، وأن أُنحّى مشاعرى قليلًا لأفسح الطريق للتفكير. أعترف بأن المهمة صعبة؛ فبعض الكلمات تسمعها بأذنيك، لكن وقعها يستقر فى قلبك، وتظل تعيدها على نفسك، لعل فى الإعادة ما يخفف ثقلها، أو يساعدك على استيعاب ما وراءها.
لقد جاء إعلان الرئيس القاطع أن الدستور لن يمسه أحد، وأن عام 2030 يمثل نهاية رئاسته للدولة المصرية مفاجأة صادمة للكثيرين ، للمحبين والمؤيدين الذين يعلقون آمالهم على استمرار العمل والبناء وكذلك صدم المعارضون والمزايدون والمتربصون الذين افسد الرئيس عليهم خططهم وضيع عليهم موسم الصيد فى الماء العكر ، الرئيس كرر وأكد وحسم، ووضعنا أمام مسؤولية التفكير فيما بعد هذه المحطة. ومن الإنصاف أن نصغى إليه بقدر ما نحبه، وأن نحترم وضوحه بقدر ما نثق فى إخلاصه
فى جلسة أكاديمية الشرطة كان الحسم، وفى حديثه عن إعداد القيادات القادرة على حمل الرسالة بدا أن الرجل يفتح أمامنا بابًا واسعًا للعمل. توقفت طويلًا أمام هذا المعنى، رئيس ينشغل باستمرار البناء، ويسأل عن قدرة من يحمل المسؤولية بعده على حفظ البلاد وصيانة ما تحقق والانطلاق إلى ما نطمح إليه. وهذه، فى تقديري، مسؤولية تليق بمن يعرف قيمة الدولة وثقل الأمانة.
أذكر هنا سؤالى لسيادته: «كيف نحافظ على ما أنجزناه، وكيف نكمل المشوار، وكيف نصبح دولة متقدمة مثل كوريا؟». كان السؤال يحمل إعجابًا بتجربة رأينا ثمارها، وقلقًا على تجربة نخوضها، ورغبة فى أن نرى مصر فى المكان الذى تستحقه. وجاء جوهر الإجابة واضحًا: الاستقرار والجدارة، وقوة المؤسسات، والعلم، وحسن اختيار القادرين على إدارة العمل وتحمل تبعاته
ثم أخذ الحديث، كما فهمته، إلى السؤال الذى ينبغى أن ننشغل به جميعًا: كيف نستعد للقادم؟ ومن يمتلك القدرة على إدارة شؤون البلاد، ويحفظها ويحافظ عليها ويكمل مسيرتها؟ وجدتنى أراجع مشاعرى على ضوء هذا السؤال؛ فالمحبة تفرض واجبًا، والثقة تستدعى عملًا، والقلق على الوطن ينبغى أن يقود إلى الاستعداد. وكل يوم يمر يمكن أن يكون فرصة لإعداد إنسان قادر على حمل مسؤولية جديدة.
نحن بحاجة إلى أن نأخذ مسألة الجدارة بجدية كاملة. أن نبحث عن الكفء، ونمنحه فرصة، ونختبره فى العمل، ونحاسبه على النتائج. تبدأ صناعة القيادات من المدرسة والجامعة، ومن الوحدة المحلية والمصنع والوزارة. وفى كل موقع هناك من يستحق أن يُكتشف، ومن يحتاج إلى تدريب، ومن تعوقه حسابات ضيقة. واجبنا أن نفسح الطريق لأصحاب القدرة، وأن نجعل خدمة الناس معيارًا للحكم عليهم.
وحين سألت عن كوريا، كنت أسأل عن الطريق الذى يجعل النجاح قابلًا للاستمرار. فالمشروع يحتاج إلى إدارة تصونه، والمؤسسة تحتاج إلى خبرة تتراكم داخلها، والقرار يحتاج إلى عقل يراجع نتائجه ويصحح مساره. وأحسب أن الوفاء لما أنجزناه يقتضى شجاعة الاعتراف بما يحتاج إلى إصلاح، حتى يصل البناء إلى من يكملونه أكثر قوة وقدرة على مواجهة الظروف والتحديات
ولعل أهم ما نحتاج إليه اليوم أن تتحول هذه الأسئلة إلى نقاش جاد، تشارك فيه المؤسسات وأهل الخبرة، وتظهر نتائجه فى اختياراتنا اليومية. فالمستقبل يبدأ بما نفعله الآن، وبنوعية الفرص التى نتيحها لمن يملكون العلم والضمير والقدرة على اتخاذ القرار.
أعرف أن كثيرين يحملون القلق نفسه، وأن الحديث عن المستقبل يوقظ فى الذاكرة مشاهد صعبة لا نريد تكرارها. وأنا واحد منهم، لكننى أحاول أن أمنح الأمل مكانه أيضًا. مصر التى قدمت رجالًا حملوا أمانتها فى لحظات فارقة قادرة على أن تقدم كفاءات جديدة كما يقول الرئيس ، متى أحسنا البحث والإعداد والاختيار. وعلينا، خلال السنوات المقبلة، مسؤولية تحويل هذه الثقة إلى عمل واضح يمكن قياسه ومراجعته والبناء عليه.
يا عزيزي، سأظل أقدر لهذا الرجل ما أراه من صدق وإخلاص وعزيمة مع رؤية ثاقبة وحكمة وصبر وتحمل كل الصعاب محتسبا وراضيا ، وسأظل أدعو له بالعون والتوفيق ، يؤكد الرئيس ان الواجب علينا الآن أن نوسع دائرة اهتمامنا بمستقبل الدولة، وأن نشارك فى إعداد أسباب استمرارها وتقدمها. أما الغد، فليس فى يد أحد منا علمه ، لنا أن نعمل، وأن نحسن الظن بالله، وأن نطمئن إلى أن أبواب الخير أوسع مما نري.
وبين قلق المحب ورجاء المؤمن، أجد فى كلمات الله ما يسند النفس ويمنحها سعة للأمل: (لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).









