لماذا يخشى البعض قول الحقيقة كاملة أمام الرأى العام؟ لماذا نميل إلى استرضاء الناس بكلمات تتوافق مع أهوائهم، ونفضل الأكاذيب المريحة على الحقائق المزعجة؟ ولماذا يتراجع أصحاب الفكر والخبرة عن الاشتباك مع القضايا الملحّة، ويتركون الساحة لمن يبيعون الوهم، أو يوزعون اليأس بالمجان؟
أسئلة أطرحها ونحن فى أمسّ الحاجة إلى مصارحة وطنية؛ مصارحة تضع أمام المواطن حقيقة ما تحقق، وما تعثر، وما ينتظرنا من أعباء. فالثقة لا تبنيها المبالغة فى التطمين، ولا يحميها إخفاء المشكلات، وإنما يصنعها الوضوح، وتحديد المسئوليات، والوفاء بالوعود.
فى الحالة المصرية، علينا الاعتراف بأن المواطن تحمل الكثير، وأن ضغوط المعيشة لا تواجهها الخطب وحدها. من حقه أن يسأل عن الأسعار، وفرص العمل، وجودة التعليم والعلاج، ومن واجب المسئول أن يجيبه بلغة مفهومة، وأن يشرح له كيف تتحول القرارات الاقتصادية إلى تحسن يشعر به داخل بيته.
وفى المقابل، فإن اختزال أحوال بلد بحجم مصر فى سعر سلعة، أو تحميل الدولة وحدها مسئولية كل مشكلة، يغفل جانبًا كبيرًا من الحقيقة. لدينا تحديات متراكمة، وأعباء سكانية، واحتياجات متزايدة، ومطلوب أن نواجه كل ذلك بإنتاج أكبر، وإدارة أفضل، ومشاركة مجتمعية جادة.
خذ القضية السكانية مثلًا؛ لقد شهدت معدلات المواليد تراجعًا وفق البيانات الرسمية، وهو تقدم يستحق البناء عليه، لكنه لا يعنى انتهاء المشكلة. المطلوب استمرار إتاحة خدمات تنظيم الأسرة، وتعليم الفتيات، وتمكين المرأة، وتشجيع الأسر على الإنجاب المسئول بحوافز واضحة. فالمعركة الحقيقية أن يحصل كل طفل على الرعاية والتعليم والفرصة التى يستحقها.
والأمية أيضًا لا يكفى أن نواجهها بلافتات وشهادات. نحتاج أن نتأكد أن من خرج من فصل محو الأمية يستطيع القراءة والفهم، وأن نغلق منابعها بمواجهة التسرب من التعليم. فكيف نتحدث عن اقتصاد حديث، بينما يخرج بعض أبنائنا إلى الحياة دون الأدوات الأساسية لفهمها والمشاركة فيها؟
يا عزيزى، لا يمكن أن نظل أسرى محاولة إرضاء الجميع. هناك قرارات ضرورية قد تكون صعبة، لكن صعوبتها تفرض شرحها، وعدالة توزيع أعبائها، وحماية من لا يملكون القدرة على تحملها. والإصلاح يحتاج جانب شجاعة اتخاذ القرار، شجاعة مراجعته حين تكشف النتائج ضرورة التصحيح.
أما الاستثمار، فأهميته بقدر ما يضيفه إلى قدرة البلد على الإنتاج والتصدير والتشغيل. نحتاج أن تتحول التدفقات المالية إلى مصانع تعمل، ومشروعات تستمر، وفرص تفتح أبوابها للشباب؛ عندها يلمس المواطن أثر الأرقام، وتصبح التنمية واقعًا يعيشه.
ونحتاج كذلك إعلاماً يشرح ويسأل، ومثقفاً يقترح ويشتبك، ومسئولاً يستمع ويحاسب. فلا يصح أن نعتبر كل نقد خصومة، أو أن نمنح كل ادعاء صفة الحقيقة. المعيار هو الدليل، والغاية هى المصلحة العامة.
أؤمن بمصر، وبقدرة شعبها على تجاوز الصعاب، وأؤمن بأن الثقة بالله تقتضى الأخذ بالأسباب؛ عملًا وإتقانًا وتخطيطًا ومحاسبة. ومن يحترم صبر المصريين فعليه أن يصونه بنتائج واضحة، وأن يفتح أمامهم باب الأمل المستند إلى العمل.
مصر تستحق أن نقول لها الحقيقة كاملة، نعتز بما أنجزناه، ونعالج ما أخفقنا فيه، ونواجه ما ينتظرنا بوعى وثقة. فالأوطان تتقدم حين تمتلك شجاعة رؤية نفسها بوضوح، وإرادة تغيير ما يحتاج تغييراً.









