فى الثانى والعشرين من سبتمبر 2023 أى قبل أسبوعين فقط من عملية «طوفان الأقصي» وقف نتنياهو، رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة فى دورتها الـ 78، مزهواً ومتبجحاً بـ «رؤية الشرق الأوسط الجديد» التى رسم خارطة وضع فيها الكيان الإسرائيلى فى مركز وقلب الشرق الأوسط محركاً وموجهاً لطرق التجارة العالمية الممتدة من شرق آسيا عبر الخليج العربى وصولاً إلى الموانئ الإسرائيلية على البحر المتوسط ومنها إلى أوروبا، إلى جانب خطط تمديد خطوط نقل الطاقة من دول الخليج العربى نحو ميناء حيفا فى طريقها إلى اوروبا كل ذلك فى ظل تغييبٍ كامل للقوى الإقليمية المحيطة التى تم تدجين بعضها عبر «الاتفاقات الإبراهيمية» أو إرهاب البعض الآخر بالقوة العسكرية الغاشمة.
أشهر نتنياهو خارطته متجاهلاً القضية الفلسطينية التى طالما كانت قضية العرب الأولى وزعم الاقتراب من تحقيق «سلام تاريخي» وتطبيع كامل للعلاقات مع المملكة العربية السعودية بحلول ربيع 2024 واعتبر فى خطابه أن الفلسطينيين لا ينبغى أن يمتلكوا حق «الفيتو» للعرقلة أو التأثير على مسار السلام العربى الإسرائيلى ولا أن يعطلوا قطار الاتفاقات الإبراهيمية التى كانت تفصلها خطوات معدودة عن إحداث تحول إستراتيجى فى تشكيل جغرافيا المنطقة، غير أن عملية طوفان الأقصى التى نفذتها المقاومة الفلسطينية فى السابع من أكتوبر جاءت لتقطع هذا الطريق وتقشع الغشاوة عن عقول وقلوب المهرولين نحو التنسيق والدمج.
ولم تكن تلك اللحظة وليدة الصدفة ففى السنوات التى سبقت عام 2023 مارس الاحتلال الإسرائيلى خنقاً ممنهجاً على الفلسطينيين حتى بات «حل الدولتين» أثراً بعد عين وهو ما أقر به وزير الخارجية الأمريكى الأسبق جون كيرى فى أواخر عهد إدارة أوباما مؤكداً أن إسرائيل قضت تماماً على المقومات العملية لهذا الحل.
ففى قطاع غزة حرم الاحتلال السكان من أدنى المقومات الأساسية للحياة وأغلق المعابر ليتحول القطاع إلى أكبر سجن مفتوح فى العالم وعلى الجانب الآخر وضعت حكومة أقصى اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو وسموتريتش وبن غفير الفلسطينيين أمام ثلاثة خيارات قسرية لا ثالث لها: إما الاعتراف بـ «يهودية الدولة» أو التهجير القسري، أو القتل والاعتقال.
وفى الضفة الغربية المحتلة، قفز عدد المستوطنين منذ توقيع اتفاقية أوسلو حتى أواخر 2023 من 125 ألفاً إلى ما يقارب 900 ألف مستوطن قضموا أكثر من 40 ٪ من مساحتها كخطوة تمهيدية لضمها رسمياً إما داخل المعتقلات فقد حرم الاسري من حقوقهم الأساسية التى نصت عليها معاهدات جنيف لحماية أسرى الحرب عبر سياسات التجويع والإهمال الطبى والإرهاب الممنهج .









