أبدأ من حيث انتهيت الأسبوع الماضي، بأن قادة إسرائيل يصيبهم الجنون كل عام فى ذكرى نصر أكتوبر 1973، وأن الوزير الإسرائيلى المتطرف بتسلئيل سموتريتش عبر عن جنونه فى ذكرى النصر هذا العام بالتهديد بضرب السلام وعودة إسرائيل لإحتلال سيناء، وحقيقة فإن السبب فى استعادة هذا «الكلام غير المسئول للوزير الإسرائيلى» هو ردة الفعل المصرية والردود الحاسمة للإعلام المصرى بأن سموتريتش يتعجل نهاية الكيان الصهيونى وأن أى تهور بالاقتراب من سيناء سيؤدى إلى إنهيار إسرائيل، أيضا فقد جاء البيان الذى أعلنته مصر على لسان مصدر مطلع حاد جدا، فقد وصف ماذكره سموتريتش بالتهديدات الجوفاء كونها تتزامن مع الذكرى الثالثة والخمسين لنصر أكتوبر 73، وأن مصر فى ذكراه الطيبة لا تحتاج إلى تأكيد على قدرتها على حماية أراضيها وأنها لن تسمح بالمساس بسيناء مرة ثانية… وبدون مبالغة فإن ردود وسائل الإعلام وما أعلنه المصدر المطلع فى بيان رسمى للدولة المصرية، يمثل قليلاً من كثير لأن تصريح «سموتريتش» الخطير، كشف عن استمرار أطماع إسرائيل فى العودة لسيناء رغم الهزيمة الموجعة التى لحقت بها فى السادس من أكتوبر عام 1973، ورغم مشاعر الصدمة والآثار الموحشة التى نالت من كل الإسرائيليين ومن قادتهم منذ هذا التاريخ وحتى الآن.
>>>
نعم، هذه هى الوقائع المرة والمؤلمة التى ينكرها الإسرائيليون ويحاولون إخفاءها بشتى الطرق فى ظل عظمة نصر أكتوبر 73 وعظمة صناعته والتخطيط له والنتائج المترتبة عليه – وستظل هذه الوقائع كحق أصيل للأجيال الجديدة ولكل المصريين، ممن تعمل جهات محلية وأجنبية على خداعهم وإصابتهم بالإحباط – بينما واقع الحال يشير إلى أن أى دولة غير مصر لم تكن لتستطيع التغلب على التداعيات الكارثية لهزيمة 1967وشن حرب بحجم حرب أكتوبر 73 ضد العدو الإسرائيلى الذى يمتلك كل وسائل القوة وتسانده الولايات المتحدة والدول الغربية بالأسلحة والمعدات. بلغة أخرى فقد ساهم فى صنع نصر أكتوبر الإرادة الوطنية للمصريين والرغبة فى الثأر واستعادة الأرض والكرامة، لاسيما وأن احتلال سيناء وضرب مشروع عبدالناصر التنموى قد تركا آثارا سلبية فظيعة على مصر سياسيا واقتصاديا وعسكريا، ورغم ذلك فقد كان هناك إصرار على خوض حرب الإستنزاف والتمسك بما قاله عبدالناصر بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة».
>>>
اللافت هنا أنه فى هذه المرحلة الحزينة من تاريخ مصر، أن غالبية المواطنين أبدوا إستعداداً كبيراً للمشاركة فى الحرب بالجهد والمال والأبناء، وجاء بناء حائط الصواريخ على امتداد الضفة الغربية لقناة السويس كبروفة بسيطة تبرهن على هذه المعاني، فقد كان لابد من الإنتهاء من بناء هذا الحائط بما يحتويه من صواريخ ومعدات وأسلحة للدفاع الجوى بأسرع وقت، للتصدى للطائرات الإسرائيلية التى كانت تعبر القناة يوميا وتقصف مواقع مدنية وتقتل سكانها المدنيين والنساء والأطفال مثل ما حدث فى قصف مدرسة بحر البقر بمحافظة الشرقية وضرب المصانع والمنشآت الحيوية فى أنحاء مصر، إلى أن نجحت جهود وتضحيات المصريين من رجال القوات المسلحة والعمال والفلاحين فى بناء حائط الصواريخ وإسقاط عشرات الطائرات التابعة للكيان الصهيوني، ومنعها بعد ذلك من تجاوز قناة السويس أو الإقتراب من المنشآت المدنية فى القاهرة ومحافظات الدلتا والصعيد.
>>>
لقد كان بناء حائط الصورايخ وما ترتب عليه من حماية سماء مصر من الغارات الجوية لطائرات العدو الإسرائيلي، أحد المؤشرات المهمة على أن هناك خطوات جادة من قبل القوات المسلحة المصرية فى اتجاه شن حرب شاملة لاسترداد الأرض والكرامة، وفى هذه النقطة بالتحديد يجب التأكيد على أن حرب الاستنزاف كانت خطوة مهمة تلاها مجموعة من الخطوات من بينها التخطيط الإستراتيجى لتحرير سيناء وتطوير القدرة القتالية للقوات المسلحة بالأسلحة والمعدات المتيسرة لدينا فقط وبغض النظر عن التفوق الاسرائيلى العسكرى المستمر، كذلك اعداد الفرد المقاتل إعدادا بدنيا وثقافيا ومعنويا ليكون لديه القدرة على خوض الحرب، والايمان بأن الرجل وليس السلاح هو الذى يأتى بالنصر فى النهاية.
>>>
هكذا كانت الصورة خلال استعداد القوات المسلحة لحرب أكتوبر73، والتى لم تخل أبدا من الدور المخلص للمواطنين فى البناء والعمل والتضحية والفداء من أجل تحقيق النصر، وربما تأخذنا هذه الصورة «المطابقة لجينات المصريين» لتفسير الماضى القريب والحاضرالذى نعيشه بتعقيداتهما المتعددة وإيجاد إجابة على سؤال قديم يتكرر دائما وهو لماذا نجحت مصر وفشل الأخرون؟، والإجابة الأكيدة ذكرها الرئيس عبدالفتاح السيسى عقب عودته من جولته الآسيوية الناجحة قبل أيام وقوله : «إن الشعب المصرى هو البطل الحقيقى فى كل النجاحات التى تحققت مش المسئولين المصريين.. وهذه النجاحات لم تكن تتحقق إلا بصبر الشعب وصلابته وقدرته على تحمل المسئولية».
وللحديث بقية الأسبوع القادم بإذن الله









