لم يعد الذكاء الاصطناعي تقنية بعيدة عن العمل القانوني، بل أصبح حاضرًا في البحث في التشريعات والأحكام، وتحليل العقود والمستندات، واستخلاص الوقائع، وإعداد المسودات، بل والمساعدة في بناء الحجج القانونية و هذا التطور يفرض سؤال مهم: هل يجب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي في إعداد العمل القانوني؟
الإجابة لا يمكن أن تكون واحدة في جميع الحالات؛ فالقواعد المنظمة للإفصاح لا تزال تتطور من نظام قانوني إلى آخر، ولا يعني مجرد استخدام أداة للذكاء الاصطناعي خضوع كل عمل قانوني لواجب الإفصاح، إلا أن أهمية الشفافية تزداد كلما كان استخدام الذكاء الاصطناعي مؤثرًا في مضمون العمل أو طريقة تقييمه أو في حقوق الأشخاص المتأثرين به
وقد يكون الإفصاح في صورته البسيطة إشارة إلى أنه تم الاستعانة بأداة من أدوات الذكاء الاصطناعي في بعض مراحل إعداد العمل القانوني ايا كان صورته ، مع ضرورة إخضاع المخرجات للمراجعة والتحقق البشري.
فالإفصاح لا يعني اعترافًا بضعف العمل، كما أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لا تعني أن العمل أصبح من صنع الآلة ، فالذكاء الاصطناعي أداة مساعدة لكنه لا يتحمل وحده المسؤولية عن النتيجة التي يقدمها الإنسان ويعتمدها.
وتزداد أهمية ذلك لأن بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج تحليلات وصياغات قد تبدو دقيقة، لكنها قد تتضمن في الوقت نفسه أخطاء أو استنتاجات غير صحيحة أو مراجع وأحكامًا غير موجودة
ولنتصور أن مذكرة قانونية مثلا تضمنت أحكامًا قضائية تم العثور عليها بواسطة نظام للذكاء الاصطناعي، ثم تبين أن أحد الأحكام المشار إليها غير موجود، أو تم نسبة سند قانوني ما إلى مبدأً غير متواجد حقيقة و هنا لا تكون المشكلة في استخدام الذكاء الاصطناعي ذاته، وإنما في غياب التحقق البشري من مخرجاته .
وتتضاعف خطورة الأمر في المجال القانوني لأن العمل القانوني قد يمس مباشرة حقوق الأفراد وحرياتهم ومراكزهم القانونية ومصالحهم المالية والقضائية ولذلك فإن الإفصاح لا يعفي من المسؤولية القانونية للخطأ الناتج من استخدام الذكاء الاصطناعي ، كما أن عدم الإفصاح لا يجعل الخطأ مسؤولية الذكاء الاصطناعي وحده؛ فالمسؤولية تظل على عاتق الشخص أو الجهة التي قدمت العمل القانوني أواعتمدته وفقًا للقواعد القانونية والمهنية واجبة التطبيق
ومن هنا فإن المطلوب ليس منع استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني، ولا التسليم بمخرجاته باعتبارها حقيقة نهائية صحيحة قابلة للتطبيق ، وإنما يجب ان يكون هناك استخدام مسؤول ومراجعة بشرية حقيقية وشفافية مناسبة وقابلية للتحقق، ومساءلة واضحة عن اخطائه.
وكلمتي الأخيرة ان مستقبل العمل القانوني لن يكون في المفاضلة بين الإنسان والآلة وإنما في بناء علاقة متوازنة بينهما، تجعل الذكاء الاصطناعي وسيلة لتطوير العدالة، لا سببًا في المساس بالثقة فيها.









