«كان القلق يملأ قلوبنا، فنحن غير معتادين على أن نخوض حربا لا تكون المبادأة فيها لنا».. هكذا لخص بمنتهى الدقة موشيه دايان موقفه من الاعترافات التالية، فالرجل يعترف ضمنيا بأن الهزيمة قد وقعت لسبب وحيد وهو «المفاجأة» التى قام بها المصريون وحرموا الصهاينة من المبادأة، أيضا تجد عزيزى القارئ أن موشيه دايان يعترف بقدرة المصريين فى خديعة الكيان بجيشه وأجهزته الاستخباراتية ومؤسساته فى تحليل المعلومات وفقدهم القدرة على تحليل الموقف بدقة وواقعية، مما أبطأ من اتخاذهم الخطوات والإجراءات الرادعة أو الوقائية الدفاعية على الأقل، الأمر الذى عظّم من خسائر الصهاينة وأكد هزيمة الكيان!.
لكن البداية عند اعترافات موشيه دايان كانت من سقوطه فى فخ السادات (!) وهنا عزيزى القارئ نستمع لصوت هذا القائد الصهيونى المغرور والمعتد بصلفه لاقصى درجات الكبر!!.. فيعترف بشأن المعلومات الاستخباراتية الوافدة من الدعم الأكبر «سى أى إيه» ومن الحليف الراغب فى بقاء الوضع كما هو عليه «كيه جى بي» وغيرهما: «لم تكن هذه المعلومات نتيجة تقرير عن نشاط القوات العربية فى الميدان».. فأجهزته الاستخباراتية لم تقدم له تقريرا عن تحركات مصرية على الجبهة الجنوبية للكيان، بل كانت تحليلات لمعلومات وافدة من الخارج لتخبره بنوايا عدائية من جانب المصريين والسوريين.. ويستطرد: «قد تلقينا مثل هذه التحليلات من قبل، لكن الهجوم المتوقع لم يقع».. فالرجل ـ المغرور ـ يعترف بتكرار تحذيرات الجهات الاستخباراتية له بنوايا هجومية من جانب المصريين، وفى كل مرة يستعد جيش الدفاع بالاجراءات المتبعة دفاعيا وهجوميا بدءا من استدعاء الاحتياط ـ الجيش الذى لا يقهر ـ واستنفار القوات الجوية ـ اليد الطولى وارسال المدرعات وبطاريات الصواريخ والمدفعية للجبهتين الشمالية والجنوبية، لكن شيئا لم يحدث، ولا شيء غير مزيد من اهدار المئات من الملايين من الشيكل، فضلا عن زعزعة استقرار الجبهة الداخلية، وتحقيقا لمزيد من إضعاف الروح المعنوية للجيش الذى لا يقهر (!) إضافة على فقدان الثقة فى قرارات القيادة السياسية والعسكرية.. لكن شيئا لم يحدث، ومع تكرار هذا الأمر باعتراف موشيه دايان باتت الاستجابة للإنذار على غير حقيقتها من الكفاءة والقدرة وربما أيضا زاد الفتور فى التعامل الوقائى مع تحذيرات الحليفين الأمريكى والروسي.. ويستكمل فى هذه النقطة تحديدا «المفاجأة» اعترافه: «كانت الدلائل تشير حينذاك إلى أن الرئيس أنور السادات يغير رأيه فى آخر لحظة عندما اكتشف أننا عرفنا بالأمر».. هو يعترف بقصد المخطط المصرى فى نصب فخ «المفاجأة» للكيان إذ يكرر أعمالا توحى بنوايا عدائية وهجومية فيسارع الحلفاء بإنذار موشيه دايان من احتمالية قيام المصريين بالهجوم، وكأن السادات يقصد أن يوصل رسالة عبر اجهزة الاستخبارات الحليفة للكيان بشكل غير مباشر ـ ودون أن يتواصل معهما (!) لكن يكشف لهما تحركاته المتكررة وبالتالى يتخذ الكيان وجيشه الاجراءات الوقائية لصد الهجوم المحتمل والذى لم يحدث لمرات عدة (!) وبالتالى يتوهم موشيه دايان أن السادات قد ألغى أو أرجأ الهجوم لأن الصهاينة اكتشفوه، وبذلك تأصل فى قرار موشيه دايان أنه مسيطر على الموقف تماما وأكد هذا الشعور داخله صفة الغرور التى هى متأصلة فى خلاياه(!).
«وفقد بذلك عنصر المفاجأة فيلغى الهجوم أو يؤجله على الأقل».. موشيه يعترف بأنه وقع فى الفخ الذى نصبه له السادات وهو أنه اعتقد أنه يحرم المصريين من «المبادأة» و»المفاجأة» فبذلك يحبط أية أعمال هجومية من جانبنا تجاه الكيان، لكن الأمر كان من الحكى الشعبى المصرى والمأثور عن حكاية «الراعى الصغير والذئب: إذ ينادى الراعى الصغير على أعوانه لينقذوه من هجوم الذئب على أغنامه، لكن الأعوان يتركون أعمالهم ويهرعون لنجدته، فيكتشفونه كاذبا، فلم يكن هناك ذئب يخافونه على أغنامهم، لكنها فقط صراخ الاستغاثة فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، ومع تكرار استغاثة الراعى السفيه ـ لم يعبأ الأعوان لنجدته لكن هذه المرة أكل الصياد كل صيده وأعانه على ذلك سذاجة وكذب الراعى السفيه!».
ونستكمل فى القادم إن شاء الله اعترافات موشيه داين عن «هزيمة كيبور».









