كل عام والمصريون بخير.. ينعمون بالأمن والاستقرار والسلام.
إن احتفالنا بذكرى انتصارات أكتوبر التى مر عليها 53عاماً هو تذكرة للأجيال الحالية بأن هذا النصر العظيم هو الذى حافظ عليهم فى مصر الآمنة المستقرة رغم كل ما يثار عن صعوبات حياتية واقتصادية يمكن التغلب عليها بمزيد من العمل والإنتاج وجهود حكومية دءوبة فى السيطرة والرقابة على الأسواق وقناعة من السادة التجار وأصحاب الأعمال فى تقليل هامش الربح قدر الإمكان حتى تمر هذه الأزمة الاقتصادية العالمية وتداعياتها على شعوب العالم كله.
ولكن من المهم أن تعرف الأجيال الحالية أن هذا النصر العظيم كان نقطة تحول فاصلة بين الحرب والسلام بعد أن روى الشهداء والجرحى من المصريين بدمائهم الطاهرة رمال سيناء المغتصبة من أجل استردادها وعزة مصر وكرامتها، وكرامة أمتها العربية مضحين بأرواحهم.. أغلى ما يملكون هم وأهلهم وذووهم من أجل أن تحيا الأجيال التالية فى عزة وكرامة وتنعم بمناخ السلام الكفيل بتحقيق التنمية والتقدم والرخاء.
وأظن أن الجيل الحالى وكذلك أجيال أخرى سابقة تقل أعمارهم عن 60 عاماً من الصعب أن يتفهموا حجم المعاناة وقدر وجسامة المشاعر الأليمة التى تسببت فيها مرارة الهزيمة أو نكسة لأنهم لم يعيشوها.. وأيضاً كم التضحيات وفترة الاستعداد للمعركة وما واكبها من صعوبات اقتصادية ومعنوية وما عرف بسنوات «شد الحزام» وإزالة آثار العدوان طيلة حرب الاستنزاف وحتى نصر أكتوبر 73.
>>>
ثمن السلام الذى ينعم به هذا الجيل والأجيال العديدة الأخرى السابقة كان باهظاً.. لعل آباءهم وربما أجدادهم يحكون لهم عن أجواء الحرب وتداعياتها والاستعداد لخوضها من جديد بتقديم تضحيات باهظة أقلها العيش فى ظروف الحرب بدءاً من طلاء نوافذ المنازل الزجاجية باللون الأزرق، وإحاطتها بالشرائط اللاصقة تحسباً للغارات الجوية لطائرات العدو التى طالت مواقع كثيرة فى محافظات مصر لعل أشهرها مذبحة الأطفال بمدرسة بحر البقر، وكانت تقترب من القاهرة نفسها قبل بناء حائط الصواريخ الذى شيده عمال مصر بدمائهم من أجل تأمين سماء مصر.
لم تسمع هذه الأجيال صوت صافرات الإنذار.. ولم يروا المخابئ المعدة أسفل العمارات لتجميع السكان وقت الخطر، ولم يروا الحوائط الأسمنتية التى كانت تسد مداخل العمارات لكى يحميها من الشظايا والقاذفات أثناء الغارات الجوية.
لم تتمزق – بحمد الله – قلوب أمهات هذه الأجيال، مثلما أضنت الحرب أمهاتنا فى الماضى ولوعت الثكالى والأرامل وأراقت دموع الآباء والأخوة على ذويهم الشهداء والمصابين والمفقودين فى العمليات الحربية.. ولم يعرفوا معنى الانتظار للأشقاء والأصدقاء من جبهات القتال يعودون أو لا يعودون.
لم يعيشوا الأزمات فى المواد التموينية حيث كان الباحث عن دجاجة أو كيلو سكر أو زجاجة زيت أو علبة صابون منظف كالباحث عن الماء فى الصحراء.. لم تقع سياراتهم فى مطبات وحفر الشوارع لأن إعداد وتجهيز ممرات الطائرات كان له الأولوية.. لم يسمعوا نداءات التبرع للمجهود الحربى وتأجيل زواج الشباب لحين إزالة آثار العدوان وعودة المجندين الذين تركوا وظائفهم وأعمالهم لقضاء واجب وشرف الجندية التى امتدت للبعض لنحو 9 سنوات.. لم يروا مصايف مثل مدينة رأس البر التى تحولت مساكنها إلى مأوى للمهجرين من مدن القناة، قدمها أصحابها بنفوس راضية تفاعلاً مع تضحيات كل المصريين فى معركة الشرف والدفاع عن الأرض.
>>>
عفواً إن هذه الأجيال – ونحن لا نحسدها أو نمن عليها بقيمة السلام – لا ترى الآن إلا القاهرة ومدناً أخرى لا تنام على مدى الأربعة وعشرين ساعة.. مطاعم وكافتيريات ومولات تجارية، وسيارات من أحدث الأنواع وموبايلات وشبكات تواصل وترف وسهر من فئات كثيرة فى مجتمعنا بلا هموم أو أحزان أو مخاوف أو تضحيات، رغم أن هناك تحديات إقليمية ودولية كثيرة تبدد هذا السلام وتفرض أهمية الحفاظ على الجاهزية والاستعداد القتالى كما أكد الرئيس السيسى على ذلك خلال ترأسه المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال الاحتفال هذا العام بذلك الانتصار.
لذا فإننا جميعاً مطالبون بالوعى والجدية فى العمل وفى الترشيد من القادرين، والتكافل الاجتماعى وعدم استغلال الظروف والأزمات التى يتكسب فيها البعض على حساب القاعدة العريضة من المجتمع التى تتعرض – للأسف – لمحاولات تيئيس وإحباط من أعداء ومتربصين يريدون الإيقاع بمصر فى أتون الفوضى والفتن والصراعات.. ليضيع هذا السلام الذى كان ثمنه تضحيات جسام قدمتها أجيال سابقة تحملت مسئوليات جسام فى استعادة الأرض المغتصبة فى سيناء ودحر فلول الإرهاب لتواكبها فى نفس الوقت أكبر عملية تنمية وبناء.
وما زالت تحديات السلام متواصلة بمثل هذا العبث الإسرائيلى بإعاقة حياة الفلسطينيين وخزعبلات نتنياهو ووزير ماليته.. ولكن مواقف مصر القوية الحاسمة تؤكد أن السلام ليس حلماً مستحيلاً سواء لمنطقتنا أو غيرها باعتباره خياراً واقعياً قادراً على إنهاء الصراعات.
باختصار إن مسئولية النصر والسلام كل لا يتجزأ يجب على كل الأجيال أن تتحملها بالوعى والجدية والتنمية والبناء









