من عاصر فترة النكسة والهزينة والانكسار فى يونيو 1967 وما بعدها، يدرك مدى المرارة والغصة فى الحلوق، ومتاجرة إسرائيل بالتفوق واستمرارها فى الاستفزاز والعمليات القذرة خاصة ضد المدنيين والتلاميذ والمذابح التى كانت ترتكبها، بل واستغلها الغرب ليزيد الجروح العربية ألماً، وممارسة المزيد من الضغوط على بلادنا، بجانب الانحياز الكامل للدولة العبرية، وساندوها بكل السبل والعتاد والسلاح والمعلومات، حتى تكون الأقوى فى المنطقة وتحقق التفوق المستمر، وفى نفس الوقت لا تقوم للعرب قائمة، وقد كانت كل المعطيات تشير إلى استحالة قدرة العرب على الدخول فى أى حرب، فى ظل «الجيش الإسرائيلى الذى لا يقهر».
وما بين 1967و 1973، عرضت مصر على أمريكا من خلال هنرى كيسنجر وزير الخارجية حينئذ، عقد معاهدة سلام مع اسرائيل، فما كان من الثعلب الأمريكى إلا أنه رد من دون تفكير، وقال «ولكن المنتصر هو الذى يفرض شروطه»، وكان يقصد أن إسرائيل هى المنتصرة فى ذلك الوقت، وقد عُرف كيسنجر بذكائه حتى وُصف بـ»الثعلب والساحر»، وهو الذى دخل الولايات المتحدة لاجئا يهوديا فارا من ألمانيا مع أسرته.
>>>
فى الساعة السادسة بتوقيت نيويورك يوم السادس من أكتوبر 1973 فوجئ كيسنجر بمساعده بجوار سريره بغرفته بفندق والدورف أستوريا محاولا إيقاظه، وعاجله برسالة استغاثة من رئيسة وزراء إسرائيل جولدا مائير عن الحرب، وما أدهشه أنه لم ترد أى تقارير من المخابرات المركزية أو الأمن القومى أو الاستخبارات العسكرية أو الموساد عن الهجوم المصرى والسورى والنجاح فى تحقيق المفاجأة الإستراتيجية وفوجئ بحجم الإنجازات التى حققها الجيشان فى الساعات الأولى، وبحجم الانهيار الذى كانت تشهده إسرائيل (حسبما ذكر فى مذكراته).
كان هدف وزير الخارجية الأمريكى هو إنقاذ إسرائيل فى تلك اللحظة الحرجة، ومساعدتها على استعادة زمام الأمور وتعديل الموازين العسكرية، وكان كيسنجر يخمن أنه خلال يوم أو يومين ستقوم إسرائيل بهجوم مضاد وتقلب الموازين ويصبح العرب على شفا كارثة، وأقنع الرئيس نيكسون ووزير الدفاع بإقامة جسر جوى لإمداد إسرائيل بالسلاح، ومنع العرب بأى حال من تحقيق انتصار مؤثر، كما ينبغى تفكيك صورة النصر العربى الذى تحقق فى بداية الحرب، وكان يريد انتصارا إسرائيليا يجعله يفرض الحل الذى يريده، يقول، «ذهبنا لننام مساء اليوم الثالث من الحرب آملين أن تنتهى كسابقتها حرب الأيام الستة لعام 1967»، ومنح الوقت للجيش الإسرائيلى لتوجيه ضربة بما يقلب المعادلات العسكرية والسياسية.
>>>
وتحقق الانتصار الكبير فى حرب أكتوبر التى أعادت الكرامة للأمة وأثبتت خطأ مقولة إن الجيش الإسرائيلى لا يقهر، ووقف العالم على ساق واحدة غير مصدق ما حدث، والذى قلب كل الموازين العسكرية، وكشف خطأ كل التحليلات والتوقعات بأن الوضع فى الشرق الوسط سيظل هكذا إلى الأبد، لكن هذا النصر الذى بدأ بالتكبير «الله اكبر» مع عبور قناة السويس التى كانت مكتظة بأنابيب «النابالم» الحارقة والتى تقدر حرارتها بحوالى 700 درجة مئوية، واقتحام خط بارليف الذى قيل إنه يحتاج إلى قنابل نووية، فى حين أن مجرد مضخات المياه التى تفتقت عنها العقول المصرية كانت أكثر قوة وتأثيرا، وأيضا مفاجآت طاشت معها عقول اليهود.
ودارت الأيام دورتها، وكانت إسرائيل هى التى تسعى لعقد معاهدة سلام مع مصر، وكان الذى ينقل الرسالة هو نفسه وزير الخارجية الثعلب الأمريكى، فتلقى نفس الرد من الثعلب المصرى الزعيم الراحل أنور السادات، الذى قال له و»لكن المنتصر هو الذى يفرض شروطه»، فلولا النصر ما كان يمكن للصهاينة أن يخضعوا ويجنحوا إلى السلام رغم أنوفهم، وكان النصر هو الذى فتح الطريق للمفاوضات وتحقيق السلام، الذى كان من ثمار الانتصار.
وبشهادات الخبراء والعسكريين فى العالم، فإن حرب أكتوبر كانت معجزة بكل المقاييس، وقد أكد السادات أن التاريخ العسكرى سوف يتوقف طويلا بالدرس عن يوم السادس من أكتوبر.
لا شك أن السلام يحتاج قوة تحميه.









