رغم مرور 56 عاماً على رحيل الزعيم خالد الذكر جمال عبدالناصر.. إلا انه مازال يثير الشجون والجدل والحديث لا ينقطع عنه وكأنه حى لم يمت.. ورغم مرور هذه السنوات الطوال مازال يسكن قلوب ا لملايين ليس فى مصر ولا المنطقة العربية بل والقارة الإفريقية والعالم أيضاً.. والذى يقرأ ما قاله العديد من الساسة والخبراء عنه حتى الاعداء يدرك لماذا يعيش ناصر بيننا ويشغل مساحات كبيرة من حوارنا وحديثنا وكتاباتنا إلى الآن.. فلم يكن ناصر مجرد رئيس دولة أو زعيم ثورة.. فكم من رؤساء دول.. وكم من ثوار.. طواهم الثري.. لكن ناصر.. فكرة.. ناصر رمز.. للتحرر.. والكفاح.. والنضال ضد الاستعمار فى كل مكان وزمان.. كل الشعوب العربية.. وأقول الشعوب العربية.. وليس الحكومات.. فالاختلاف فى الايديولوجيات والتوجهات والمصالح تظل هى الإطار الحاكم لرؤى الكثيرين من حكومات ومسئولين.. وقد ترى وجهتك ومصلحتك فى غير فكر ناصر فى مقاومة الاحتلال والاستعمار.. وقد تكون مصلحة شخص مع مستعمر أكثر من داعى الثورات والتحرر.. ولكن أقول ان كثيراً من الشعوب العربية والإفريقية والآسيوية وحتى العالمية.. كان ناصر مثار إعجاب شديد لها.. والذى يشاهد التسجيلات القديمة فى خمسينيات وستينيات القرن المنصرم لزيارات ناصر للدول العربية والإفريقية والآسيوية.. خاصة زيارته للجزائر ويرى الشعوب بأكملها تنزل الشوارع لاستقبال ناصر فى سيارته المكشوفة.. مشاهد لا توصف وإنما ترى بالعين.. فمهما كتبت عن الحشود الدافقة فى الشوارع والميادين وفى الشرفات.. وحتى أعمدة الكهرباء والاسوار الملايين تتسلق عليها لترى طلة الزعيم وهو يلوح للملايين بسيارته المكشوفة ما هذا الحب الجارف والتقدير غير المسبوق.. شعوب غير مصرية وغير عربية.. تحتشد لاستقبال الزعيم الذى جسد فكرة ورمز رفض الاستعمار.. فكرة تحرير الشعوب.. فكرة العدالة الاجتماعية والحياة للجميع.
> > >
أنا شخصياً لم التق بالزعيم.. ولم أشرف بمصافحته.. وعندما رحل عن دنيانا فى الثامن والعشرين من سبتمبر 1970 كنت فى الصف الخامس الابتدائى بمدرسة الدمرداش الابتدائية بشارع رمسيس.. نعيش فى حى العباسية.. استيقظت فى صباح ذلك اليوم لأجد أن الشرفات اتشحت بالسواد.. الكل يرتدى الملابس السوداء.. لم اكن قد استوعبت رحيل الزعيم.. ولم ادرك حجم المصيبة ولا الحدث الجلل.. عرفت ان جمال عبدالناصر «مات.. ونحن نلعب بحديقة «ضريح» «أحمد ماهر» أمام مستشفى الدمرداش.. وعلى شارع رمسيس شاهدنا المسيرات المليونية فى وداع الزعيم.. الملايين من الجيزة إلى كوبرى القبة حيث مثوى الزعيم بمسجده.. الملايين يرددون.. «الوداع.. يا جمال يا حبيب الملايين.. الوداع ثورتك.. ثورة كفاح عشتها.. طوال السنين.. الوداع».. مات الزعيم ناصر.. ولم نعش أنا وابناء جيلى عصرنا ولم نسمعه وهو يخطب.. ولم يلتق بنا.. لكن عشنا.. ثورة ناصر.. عشنا التعليم الميسر ليس مجرد مجانية.. إنما تعليم حقيقى بالمدارس الحكومية.. لم نكن نعرف المجموعات.. ولا السناتر ولا الدروس الخصوصية.. مدارس الدولة.. تستوعب الجميع.. ابن الوزير.. وابن الغفير.. مستشفيات الدولة.. تعالج الجميع.. تذكرة بخمسة قروش.. يفحصك الطبيب المختص من كبار الأطباء.. يشخص حالتك.. يمنحك الدواء اللازم.. أو يحجزك بالمستشفى فوراً لإجراء اللازم من فحص وعمليات.. فى دقائق معدودة تجد نفسك على سريرك تنتظر إجراء الجراحة دون ان تدفع مليماً.. لأنها مستشفيات الدولة بموازنة الدولة لمواطن الدولة.. نفس الاهتمام للعامل البسيط.. والمدير الكبير.. أو المسئول المرموق.. وانا فى الصف الأول الثانوى تعرضت لإصابة استدعت إجراء جراحة.. ذهبت إلى مستشفى شبرا العام.. واجريت الجراحة اللازمة.. وفوجئت بمريض على السرير المجاور بنفس العنبر ويحوطه عدد كبير من الزوار.. وعرفت انه رئيس مجلس إدارة شركة كبير.. وتشاء الاقدار ان نغادر بعد أيام المستشفى معاً.. ويصر على أن اركب السيارة معه لتوصيلى وطلب من سائق الشركة ان يمر على منزلى بشبرا قبل أن يوصله هناك هى مدارس الثورة التى تعلمنا فيها.. وهذه هى مستشفيات ناصر التى عولجنا بها وبأطبائها.. وهذه هى منشآت ومصانع ناصر التى عملنا بها.. وهذه هى العدالة الاجتماعية التى عشنا بها فى وطننا الغالي.. أحب ناصر وطنه وشعبه.. فبادله الوطن والشعب حباً بحب.. سكن الشعب قلب ناصر.. فسكن ناصر القلوب.. وظل بيننا.. رمز العزة والوطنية والكرامة والنضال والتحرر.. رحمك الله يا زعيم فإنك بيننا إلى اليوم.. سكنت القلوب والوجدان زعيماً على الدوام.. فالشعب يحب الز عيم الذى يعمل من أجله .. ولذلك كما ارتبط بعبد الناصر فقد ارتبط ايضا بالقيادة السياسية الأن لأنه يراها تعمل من أجلها.









