فى قلب كل حى مصرى كبيراً كان أم صغيراً تجد لافتات ضخمة تتلألأ بأضواء النيون تحمل أسماء رنانة لمدرسين يُطلق عليهم «عباقرة المادة» و»جنرالات الثانوية».. هذه هى «السناتر التعليمية» الكيان الموازى الذى استطاع أن يمحو دور المدرسة الرسمية ويفرض سيطرته المطلقة على عقول وجيوب الأسر المصرية.
لقد تحولت السناتر من مجرد وسيلة مساعدة للطلاب المتعثرين إلى «الخيار الأوحد» للجميع.. للمتفوق والفاشل.. حتى أصبحت تُمثل إمبراطورية كبرى لها قوانينها الخاصة التى تضرب بالقيم التربوية عرض الحائط وتهدد حاضر ومستقبل التعليم فى مصر.
وأول وأخطر تأثير للسناتر هو «الاغتيال المعنوى والمادي» للمدرسة الحكومية والخاصة على حد سواء.. فلم تعد المدرسة مكاناً لتلقى العلم بل تحولت إلى مجرد «استراحة» أو «مكان للحضور والغياب» الشكلي.
وفى قلب هذه المأساة يقف «المدرس» كشخصية مزدوجة.. فبعض مدرسى المدارس الرسمية يعملون فى هذه السناتر وهنا يكمن التناقض الصارخ.. فالمدرس الذى يظهر عاجزا أو «قليل الحيلة» داخل الفصل المدرسى يتحول بقدرة قادر إلى «طاقة متفجرة» {ينبوع للعلم» داخل قاعة السناتر.
أما عن اقتصاد السناتر فهو ملايين فى جيوب «الأباطرة» بعد أن تحولت العملية التعليمية إلى «بيزنس» ضخم يدر أموالاً طائلة لا تخضع لأى رقابة ضريبية أو مالية حقيقية. ولنتخيل قاعة ضخمة تستوعب مئات الطلاب كل طالب يدفع مبلغاً مالياً كبيراً للحصة الواحدة..بخلاف الملازم والمراجعات والكتب التى تباع بأسعار خيالية.. إنها دورة مالية هائلة لا يستفيد منها إلا «أباطرة السناتر» بينما تئن الأسر المصرية تحت وطأة هذه التكاليف الباهظة التى تلتهم جزءاً كبيراً من دخلها على حساب احتياجاتها الأساسية الأخري. هذا التغيير حوّل التعليم من «حق» إلى «سلعة» تُباع وتُشترى لمن يملك ثمنها مما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص فى مقتل ويزيد من الفجوة الاجتماعية والطبقية فى المجتمع.. أما من الناحية الفنية والتربوية فتُعد السناتر «كارثة بكل المقاييس»..فكيف يمكن الحديث عن «تعليم» و»تفاعل» و»نقاش» و»تحليل» فى قاعة يزيد عدد الطلاب فيها عن 400 طالب، وأحياناً أكثر؟
فى هذه القاعات يتحول المدرس إلى «مؤدي» يقف على مسرح ضخم مزود بأحدث أجهزة الصوت والإضاءة يلقى «اللقطات» و»المنولوجات» أحيانا بدلاً من الشرح العلمي.. فلا مكان للنقاش أو طرح الأسئلة.
التعليم هنا ليس إلا «تلقيناً» و»حفظاً» و»محاولات يائسة» للسيطرة على هذا العدد الهائل من الطلاب عبر الانضباط الشكلي. الطالب هنا ليس «عقلاً يُبني»، بل هو مجرد «رقم» لتحصيل المال.
لقد حاولت الوزارة مراراً وتكراراً اتخاذ قرارات لمنع السناتر أو تقنينها لكنها جميعاً باءت بالفشل أمام «تغوّل» هذا الكيان وتواطؤ أطراف عدة.. فالأمر لا يتوقف عند حد القوانين والقرارات الإدارية بل يتطلب «إرادة سياسية ومجتمعية حقيقية» لاستعادة دور المدرسة إن انتشار السناتر يخلق ضغطاً نفسياً وعصبياً هائلاً على الطلاب. فالطالب يشعر دائماً بالتقصير إذا لم يذهب للسناتر ويجبر على قضاء ساعات طويلة فى التنقل بينها، مما يفقده وقته الثمين ويرهقه جسدياً وذهنياً.
إن السناتر التعليمية ليست حلاً لمشاكل التعليم فى مصر بل هى جزء من الأزمة الكبري.. إنها وحش يلتهم المنظومة التعليمية ويهدد مستقبل الأجيال.. إن استعادة دور المدرسة كحجر زاوية فى المنظومة وتفعيل الرقابة الحكومية والمجتمعية على هذه السناتر هو السبيل الوحيد لإنقاذ مستقبل التعليم بمصر.









