جلس الشيخ الكبير يراقب حال حفيده الصغير.. ينتظر فرج الله ورحمته والدموع تجرى من عينيه فى صمت إلى وجهه الطيب ولحيته البيضاءكان صدر الصغير يعلو ويهبط وفمه ينطق بآهات لا تنتهى وهو غائب عن الوعى لا يدرى من أمره شيئاً.. بذل الشيخ عبدالرحمن جهداً يفوق قدرته وإحتماله فى هذه السن المتقدمة قضى الليل بطوله يرعى حفيده المريض ويعالجه بالماء البارد على رأسه وجبهته وبعض الوصفات الشعبية لكن الحمى لم ترحمه ولم ترحل بل إزدادت ضراوة ووحشية فى يوم من أيام الصيف الحارقة فى شهر أغسطس تزوجت بناته خارج القرية كما تزوجت الأرملة الصغيرة بعد الحاح من أهلها.. وتركت صغارها فى رعاية جدهم الذى اجتمعت عليه أمراض الشيخوخة.
صلى الفجر جالساً.. وأخذ يقلب ناظريه بين الطفل المريض والطفلين النائمين على الناحية الاخرى من الحجرة وفتح حافظة نقوده وهو يعلم بكل ما تحتويه.. أخرج القرش الوحيد.. ونظر إليه وهو يقول بصوت هامس ضعيف:
ــ القرش الأبيض ينفع فى اليوم الأسود.
وهل هناك يوم أكثر سواداً من هذا اليوم الذى ينام فيه ولده الصغير على هذه الحال.. وهو جالس أمامه بلا حول له ولا قوة.. يمتلك الشيخ فداناً واحداً فى حوض الساحل يزرعه بالمحاصيل التقليدية المعروفة كالأرز والقطن والبرسيم.. بالاضافة إلى بعض الخضروات التى تصلح طعاماً لأهل الدار ويعطى للفقراء والمساكين.. كانت داره فى الأيام الخالية عامرة بالخيرات بها جاموسة وبقرة وحمار وقطيع من الأغنام ويعيش كثير من البط والدجاج والحمام.
ونادى الشيخ على الطفل الكبير الذى كان يلعب مع أقرانه فى الشارع.. بجوار الجامع القديم وأسر فى أذنه كلمات قليلة وأعطاه القرش الأبيض.. توجه الطفل الذى كان يحمل اسم جده إلى دار قريبة وسلم الأمانة إلى صاحبتها وهى أرملة.. سهر الشيخ ليلته الثانية بلا نوم.. بجوار حفيده يكرر ما فعله فى الليلة الماضية.. اشتدت الحمى على الصغير وصدره يعلو ويهبط وآهاته تتردد فى أرجاء الحجرة.. وجده يصلى بجواره عند منتصف الليل.. هدأ صدر الصغير.. وتوقفت آهاته.. وغلب النوم جده.. وفى الصباح بكى الشيخ من الفرح.. أفاق من نومه على نداء الصغير الذى تعلق بملابسه.. رأى الجد حفيده واقفاً بجواره على قدميه.. بعد أن أنعم الله عليه بالشفاء.









