ما يقرب من ثلاثة ملايين قتيل «عسكرى ومدني».. البلاد مدمرة بالكامل.. المصانع.. الجامعات.. المدارس.. كل شىء أصابه الدمار حتى الأرض والزرع والحجر.. دمار لم تشهد البشرية له مثيلا من قبل.. هكذا كانت اليابان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية فى عام «1945».. تلك الحرب التى صنفها المؤرخون بأنها أكثر الحروب دموية فى التاريخ نظرا لسقوط أعداد مهولة من البشر فيها بين قتيل وجريح.. فى هذه الحرب تلقت اليابان مالم يتلقه بلد فى العالم من «هجوم معاد».. قنبلتان نوويتان تلقى بهما الولايات المتحدة الأمريكية على مدينتى هيروشيما وناجازاكى اليابانيتين لتحدث الكارثة التاريخية ويصير ما صار!!.. المثير والغريب والعجيب والمدهش والمبهر أن هذا البلد المدمر والمحطم والذى خرج من الحرب العالمية الثانية وكأنه «أشلاء جسد مهترىء».. هذا البلد تمكن بعد عشرة أعوام من أن يقف على قدميه ثانية.. وبعد عشرة أعوام أخرى تمكن هذا البلد من الوقوف بقوة على أعتاب «القوة الاقتصادية العالمية».. كلمة السر أو «بوابة المرور» الأهم والأبرز هنا كانت «العلم والتعليم والبحث العلمى»!!
قبل أيام.. أدلى نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس بتصريح يعد فى تقديرى أنه واحد من أهم التصريحات التى صدرت عن الإدارة الأمريكية الحالية.. قال فانس «خلال السنوات الخمس أو الست الماضية بل وبصراحة خلال العشرين أو الثلاثين عاما الماضية أدركنا أنه إذا لم تكن أمريكا مكتفية ذاتيا على الصعيدين الصناعى والإنتاجى فإن أعداءنا قد يستغلون هذه الثغرة لجعل بلادنا أضعف بكثير.. إن سياسة إعادة التصنيع الكاملة للولايات المتحدة هى السبيل الوحيد لتصحيح هذا الوضع.. فالمبدأ الأول الذى يجب أن نركز عليه ونهتم به هو أن الأمن الصناعى هو بعينه الأمن القومي»!!.. إن العبارة التى قالها نائب الرئيس الأمريكى «الأمن الصناعى هو بعينه الأمن القومي» تستحق التوقف عندها طويلا.. فبالفعل فى هذا العالم الذى يموج بالصراعات والتحديات تكون الصناعة واحدة من أهم محاور ومرتكزات «الأمن القومى».. وفى الحقيقة فإن ماقاله جى دى فانس لا يقتصر على مرحلة أو عصر معين.. إنما هى حقيقة كل العصور «الصناعة هى قاطرة التنمية وهى ركيزة الأمن القومي» .. ما يجب النظر إليه والتأمل فيه هنا هو أن كلمة السر أو بوابة المرور التى يؤكد عليها «تصريح فانس» هى نفس كلمة السر أو بوابة المرور التى دخلت من خلالها اليابان أبواب «القوة العالمية».. العلم والتعليم والبحث العلمي.. «ضرورة وجودية» لنهضة وحضارة الأمم.. والدفاع عن «أمنها القومى».
لدى فكرة أو طرح أو رؤية.. أراها تدخل فى صميم «الأمن القومى العربى» خاصة فى هذه المرحلة «الأخطر والأدق والأهم» التى يمر بها الإقليم والعالم «الآن».. أحاول اليوم إن شاء الله سبحانه وتعالى أن أعرض ملامح أو خطوط هذه الفكرة أو الرؤية لعلها تجد صدى بين أرجاء «وطننا العربى الكبير».. الفكرة ببساطة تعتمد على ما يمكن وصفه بتغيير «العقيدة العلمية العربية» من أجل ربط التعليم والأبحاث العلمية فى وطننا العربى بطبيعة التحديات الخارجية التى تستهدف فى المقام الأول «الأمن القومى العربي».. أرى أنه من الواجب ومن الضرورة «الآن» إنشاء مدينة للأبحاث والابتكارات العلمية العربية.. تكون ركيزة لدعم الصناعة والإقتصاد بشكل عام فى جميع الدول العربية.
مدينة الأبحاث والابتكارات العلمية العربية «التى أقترح إنشاءها» الهدف الرئيسى من إنشائها هو أن تكون هذه «القاعدة العلمية العربية» أحد المرتكزات الجوهرية التى يتم البناء عليها من أجل المواجهة الصحيحة والفعالة لكافة التحديات التى يواجهها «الأمن القومى العربي» فى ظل هذا الإضطراب والتحول الإقليمى والعالمى الذى يراه الجمبع يضرب وينتشر فى كل مكان من الكرة الأرضية.. مدينة الأبحاث والابتكارات العلمية العربية ستكون بمثابة القلعة العلمية العربية الجامعة.. جامعة الكوادر العلمية النابغة من جميع الدول العربية.. جامعة الأبحاث والابتكارات العلمية المذهلة من جميع الدول العربية.. جامعة العلماء العرب فى المهجر من جميع البلدان الأوروبية والأمريكية.. مدينة الأبحاث والابتكارات العلمية العربية ستضم إليها «بطريقة أو بأخري» رجال أعمال من مختلف الدول العربية ليكونوا «كممولين ومستثمرين» فى تحويل الابتكارات والإختراعات الصناعية التى تنتجها العقول العرببة النابغة.. تحويل هذه الابتكارات والإختراعات الصناعية من مجرد «فكرة على ورق» إلى واقع يسير على الأرض بإذن الله سبحانه وتعالى.
مدينة الأبحاث والابتكارات العلمية العربية.. يمكن إقامتها أو إنشاؤها تحت مظلة جامعة الدول العربية ويكون لهذه المدينة البحثية العلمية العربية فروع فى جميع الدول الأعضاء بالجامعة.. وتتولى «النوابغ العلمية» فى مدبنة الأبحاث والابتكارات العلمية العربية مسئولية دراسة ورصد جميع الإمكانات المتاحة وكذلك الاحتياجات الصناعية فى الوطن العربى ثم توفير التمويل اللازم للاستفادة من الابتكارات والاختراعات العربية المتاحة.. وفى حالة وجود أبحاث أو ابتكارات تحتاج جهود كبيرة لتصبح حقيقة على الأرض.. يمكن لمدينة الأبحاث العلمية العربية أن تنسق أو تتشارك مع جهات دولية حتى يمكن الحصول على نتيجة تعود بالنفع العام على الجميع.. خلاصة القول إن مدينة الأبحاث والابتكارات العلمية العربية.. إذا وجدت فكرة إنشائها صدى «فى وطننا العربى الكبير» فإنه يمكن استدعاء العلماء والمختصين والخبراء لوضع السياسة العامة لها والوظائف والأهداف التى يرجى أن تساعد فى تحقيقها على المستوى العربى العام.. كل ذلك يجب أن يتم ويجرى فى إطار الهدف الرئيسى الذى من أجله طرحت فكرة إنشاء هذه المدينة العلمية البحثية العربية.. هذا الهدف هو ربط البحث العلمى والتعليم بحماية «الأمن القومي».. يجب أن تكون هذه المدينة العلمية العربية قاعدة الانطلاق نحو «وطن عربى صناعي» عن طريق الأبحاث والابتكارات العلمية التى تنتجها العقول العربية المذهلة «وما أكثرها».. فهناك آلاف وربما ملايين الأبحاث والابتكارات العربية فى شتى المجالات «مازالت حبيسة الأدراج» وربما يكون فى إنشاء مدينة الأبحاث والابتكارات العلمية العربية «طوق نجاة» لهذه الأبحاث والابتكارات.. وكذلك طوق نجاة لبلداننا العربية تبحر من خلالها نحو نهضة صناعية اقتصادية كبرى فى ظل عالم متغير متحول تتأكد فيه كل يوم بشكل أو بآخر العبارة التى قالها قبل أيام نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس أن «الأمن الصناعى هو بعينه الأمن القومى».
أرقام «صادمة» تفاجيء المرء عندما يبحث عن «المقارنات» بين الميزانية المخصصة للبحث العلمى فى «وطننا العربي» وبين الميزانية المخصصة للبحث العلمى فى «إسرائيل».. تقول الأوراق والأرقام والدراسات والكتابات إن «دولة الإحتلال» تخصص ما يقرب من «خمسة فى المائة» من دخلها القومى لصالح البحث العلمي.. فى حين يبلغ ما تنفقه الدول العربية مجتمعة على البحث العلمى ما قيمته «نصف فى المائة» من إجمالى الدخل القومى العربي.. خمسة فى المائة مقابل نصف فى المائة!!!.. بهذا الفارق استطاعت دولة الإحتلال أن تبنى قوتها الصناعية والاقتصادية.. بهذا الفارق بدأت دولة الإحتلال فى تنفيذ أطماعها ومخططاتها العدوانية والتوسعية فى فلسطين والمنطقة.. بهذا الفارق تجرأت دولة الإحتلال فى اعتدائها على قدس الأقداس.. المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى حبيبنا محمد رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.. بهذا الفارق أخذت دولة الإحتلال تبعث برسائل شتى تمهد لوهم «إسرائيل الكبري».. نحن لا نريد من وراء مدينة الأبحاث والابتكارات العلمية العربية أن يصبح الوطن العربى عدوانبا مثل إسرائيل.. إننا نريد فقط أن نوظف التعليم والبحث العلمى لحماية «الأمن القومي».. نريد قاعدة تصنيعية وانطلاقة اقتصادية كبري.. إنطلاقة تجعل وطننا العربى إن شاء الله سبحانه وتعالى قادرا على مواجهة كل التحديات الإقليمية والعالمية.. تحديات تتخفى وراء ما يسمونه «الشرق الأوسط الجديد» أحيانا.. و»العالم الجديد» أحيانا أخري!!
نعم.. «الآن» ونحن فى خضم «محاولة إعادة رسم وتشكيل الشرق الأوسط والعالم».. مطلوب منا استدعاء تجارب تاريخية عديدة لاستخلاص الدروس والعبر وتجنب الوقوع فى «المنعطفات الصناعية»!!.. إن «تجديد العقيدة العلمية العربية» وربط التعليم والبحث العلمى «بالأمن القومى العربي» صار بالفعل ضرورة لا تقبل التأخير.. «مدينة الأبحاث والابتكارات العلمية العربية» فكرة أو رؤية.. أدعو الله سبحانه وتعالى أن تجد صدى فى أرجاء وطننا العربى الكبير.
من خرج فى طلب العلم كان فى سبيل الله حتى يرجع.. صدق حبيبنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.. اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم فى العالمين انك حميد مجيد..اللهم بارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم فى العالمين انك حميد مجيد.. وصلى الله على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
فلسطين.. أرض الأقصي.. أرض المحشر.. أرض المسري.. مسرى حبيبنا وسيدنا محمد رسول الرحمة والإنسانية.. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.









