ساعات قليلة تفصلنا انطلاق العام الدراسي الجديد فى المدارس والجامعات، مطلع الأسبوع المقبل، ومبكراً بدأت الأسر المصرية استعداداتها لاستقبال موسم الدراسة، وسط حالة من الاهتمام والترقب لدى أولياء الأمور والطلاب، وبعد أيام من شراء المستلزمات والملابس المدرسية وسداد المصروفات، يستعد الطلاب للعودة إلى فصولهم وأصدقائهم، بينما ينظر أولياء الأمور إلى العام الجديد باعتباره فرصة لبداية أكثر انتظامًا واستقرارًا لأبنائهم.
«الجمهورية الأسبوعى» وفى جولة بين عدد من أولياء الأمور، ظهرت حالة من الرضا عن الاستعدادات للعام الدراسى، خاصة مع تأكيد الأسر التى تحدثت معنا أنها سددت المصروفات، ووفرت ما تيسر من احتياجات الدراسة وتتمنى تبدأ الدراسة دون ضغوط أو التزامات مؤجلة.
تقول منى أحمد، ربة منزل وأم لطالبين إنها حرصت هذا العام على الانتهاء من دفع المصروفات الدراسية مبكرًا، حتى لا تتراكم عليها الالتزامات مع بداية الدراسة.
وتضيف: «أنا بحب أخلص مصاريف المدرسة بدرى، لأن بداية الدراسة بيكون فيها مصاريف كتير تانية زي الأدوات والشنط والملابس والمواصلات. الحمد لله المصاريف الدراسية السنة دي مش عاملة لي أزمة، وقدرت أوفرها من بدري، وده خلاني أستقبل بداية السنة وأنا مرتاحة».
وتقول: «أولادي فرحانين جدًا إنهم هيرجعوا المدرسة، خصوصًا إنهم هيتقابلوا مع أصحابهم، حتى فكرة المناهج الجديدة متحمسين لها، وعايزين يعرفوا إيه اللي هيتعلموه السنة دي».
التعليم استثمار
ويؤكد أحمد محمود، موظف وأب لثلاثة أبناء أنه يعتبر الإنفاق على تعليم أبنائه أولوية، والأسرة رتبت ميزانيتها منذ فترة لتوفير احتياجات الدراسة.
ويضيف: الأهم بالنسبة لي إن أولادي يدخلوا المدرسة وهم مرتاحين ومجهزين، واشتريت لهم الأدوات والكتب المطلوبة، وكل واحد فيهم اختار الشنطة والأدوات اللي بيحبها، وأتمنى لهم التوفيق في العام الدراسي الجديد.
موعد الدراسة
وتحكي سارة حسن، أم لطالبة في المرحلة الإعدادية، عن حالة ابنتها قبل بداية العام الدراسي، قائلة إنها بدأت منذ فترة تسأل عن موعد الدراسة وتستعد لها، لأنها بتحب المدرسة وأصحابها، وكل شوية تسألني هنروح نشتري الأدوات إمتى وهتبدأ الدراسة إمتى.
وتضيف: لما الواحد بيخطط لمصاريفه كويس، الأمور بتكون أسهل، أنا خلصت موضوع المصاريف، وبدأت أجهز باقي احتياجات بنتي، وبالتالي حاليًا كل تركيزي على إنها تدخل السنة الجديدة وهي جاهزة نفسيًا ودراسيًا، والمناهج الجديدة يمكن أن تكون فرصة للطلاب لاكتساب معلومات ومهارات مختلفة.
يقول محمد عبدالرحمن، أب لطفلين، إن أكثر ما لفت انتباهه هذا العام هو حماس أبنائه لفكرة المناهج الجديدة، وعايزين يعرفوا هيكون فيها إيه، وأنا شايف إن ده شيء إيجابي، لأن الطالب لما يكون عنده فضول يعرف ويتعلم، بيكون عنده استعداد أكبر إنه يذاكر.
ويضيف: إحنا بنعتبر مصاريف المدرسة جزءًا أساسيًا من مصاريف البيت، وبالتالي بنحطها في حساباتنا من بدري، لما بتتوزع المصاريف على الوقت، بتكون أسهل.
أما داليا إبراهيم، أم لطفل في المرحلة الابتدائية، فتصف استعدادات ابنها للمدرسة بأنها «موسم فرحة» داخل المنزل، وابني أول ما اشترينا الشنطة والأدوات قعد يرتبهم ويحط كل حاجة مكانها، وفرحته بالكراسات والأقلام كانت كبيرة جدًا، وده خلاني أنا كمان أفرح.
وتؤكد «داليا» أن الأسرة لم تواجه أزمة في سداد المصروفات الدراسية، لأنها حرصت على تدبيرها مسبقًا، والمصاريف لما الأسرة بتكون عارفاها ومرتبة نفسها عليها، مش بتكون مشكلة.
وتتمنى أن يكون العام الدراسي الجديد أكثر هدوءًا وانتظامًا، وأن يجد الطلاب في المناهج الجديدة ما يساعدهم على تطوير مهاراتهم.
ويقول خالد مصطفى، أب لطالب في المرحلة الثانوية، إن نظرته إلى بداية العام الدراسي تختلف قليلًا، لأن ابنه أصبح في مرحلة تحتاج إلى تركيز واستعداد أكبر، وابني في مرحلة مهمة، وعشان كده إحنا بنتابع معاه من البداية، ودفعنا المصاريف وجهزنا الأدوات، ومش شايف إن المصاريف كانت عبئًا علينا، لأننا عاملين حسابها.
استعدادات مختلفة
وتقول الدكتورة نادية جمال استشاري العلاقات الأسرية والصحة النفسية إن الأسر التي رتبت مصروفاتها مبكرًا استطاعت الانتهاء من سداد المصروفات وتجهيز الأدوات والملابس، بينما بدا الطلاب أكثر انشغالًا بتفاصيل العودة إلى المدرسة، من لقاء الأصدقاء إلى التعرف على الكتب والمناهج الجديدة.
وتضيف أنه في النهاية، لا تتوقف بداية العام الدراسي عند جرس المدرسة أو فتح أبواب الفصول، وإنما تبدأ داخل كل بيت، مع تجهيز حقيبة، وشراء كراسة، وسداد مصروفات، وتهيئة الطالب نفسيًا لعام جديد.
وبالنسبة للأهالي تبدو الرسالة واضحة: «التعليم أولوية، والاستعداد المبكر يجعل أعباء البداية أكثر سهولة، بينما يظل حماس الطلاب وفرحتهم بالعودة إلى المدرسة هو المشهد الأهم في بداية عام دراسي جديد».
ويرى الدكتور السيد عيد فرج، أستاذ علم الاجتماع، فى كلية الآداب جامعة كفر الشيخ، أن عودة المدارس تمثل مرحلة مهمة تحتاج إلى استعداد نفسي واجتماعي من جانب الطلاب والأسر، وفترة الإجازة يفترض أن تكون فرصة للراحة واستعادة النشاط، تمهيدًا لعام دراسي جديد يحتاج إلى التركيز والجد والمثابرة.
ويضيف أن الأسرة المصرية تواجه خلال السنوات الأخيرة ضغوطًا اقتصادية واجتماعية متعددة، من بينها ارتفاع تكاليف المعيشة وانتشار ظاهرة الدروس الخصوصية، وهو ما جعل التعليم يمثل تحديًا إضافيًا لبعض الأسر. وأشار إلى أن تراجع الدور التعليمي والتربوي للمدرسة، نتيجة عوامل من بينها تكدس الفصول ونقص بعض الإمكانات، ساهم في زيادة الاعتماد على التعليم الموازي ومراكز الدروس، ولكن هذه الضغوط لا تلغي اهتمام الأسرة المصرية بتعليم أبنائها، بل على العكس، يظل التعليم أولوية رئيسية لديها، باعتباره الطريق الأساسي لبناء مستقبل أفضل للأبناء.
ويؤكد أستاذ علم الاجتماع، على أهمية توفير بيئة هادئة ومشجعة للطالب، بعيدًا عن التخويف والضغط النفسي، حتى يدخل المدرسة وهو أكثر استعدادًا للتعلم والتفاعل مع المناهج الجديدة، وتطوير المدرسة يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من الحل، من خلال تحسين البيئة التعليمية، وتدريب المعلمين، وتشجيع مجموعات التقوية داخل المدارس، والاستفادة من التقنيات الحديثة في التعليم.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن نجاح العملية التعليمية مسئولية مشتركة بين المدرسة والأسرة والطالب، وأن توفير الاستقرار والراحة النفسية للطلاب يساعدهم على تحقيق أفضل النتائج، مؤكدًا أن الاستثمار الحقيقي في المجتمع يبدأ من التعليم.
نفسية الأطفال
وأكدت د. صفا أبوالعزم، استشاري الصحة النفسية، أن عودة المدارس تمثل انتقالًا نفسيًا مهمًا للطفل، من أجواء الإجازة والراحة إلى الالتزام بالمذاكرة والاستيقاظ المبكر، مشددة على أن نجاح هذا الانتقال يحتاج إلى الهدوء والتدرج، وليس الضغط المستمر على الطالب.
وتوضح أن الطفل في بداية العام الدراسي لا يحتاج إلى سماع عبارات متكررة مثل «ذاكر وخلصت وجبت كام؟»، بقدر ما يحتاج إلى الشعور بأن المنزل مكان آمن يستطيع فيه التعلم والخطأ دون خوف من العقاب أو خيبة أمل الأسرة.
وحذرت الدكتورة صفا من الضغط الزائد على الطلاب، لأنه قد يؤدى إلى ما يعرف بقلق الأداء، حيث ينشغل الطفل بالخوف من الفشل أو إغضاب والديه بدلًا من التركيز على فهم الدروس واستيعاب المعلومات.
وشددت على ضرورة ألا يتحول العبء المادي للتعليم إلى ضغط نفسي على الأبناء، قائلة إن الأسرة يجب ألا تربط ما تنفقه على التعليم بدرجات الطالب، لأن ذلك قد يجعله يشعر بأن قيمته مرتبطة بمجموعه الدراسي.
وفيما يتعلق بالدروس الخصوصية، نصحت بضرورة تحديد احتياجات الطالب أولًا، وعدم افتراض أنه يحتاج إلى دروس في جميع المواد، مع الاستفادة من المدرسة ومجموعات التقوية والمصادر التعليمية المتاحة.
وأكدت أن النوم والراحة ليسا نوعًا من الكسل، بل عنصران أساسيان لاستعادة التركيز وتثبيت المعلومات، مشيرة إلى أن احتياجات الطلاب تختلف حسب أعمارهم؛ فالطفل في المرحلة الابتدائية يحتاج إلى اللعب والحركة، بينما يحتاج المراهق إلى مساحة أكبر من الاستقلال والثقة.
وحذرت، من تجاهل علامات الضغط النفسي، مثل الخوف المستمر من المدرسة، واضطراب النوم، والعصبية الشديدة، والبكاء، والصداع المتكرر أو التراجع المفاجئ في المستوى الدراسي، ويجب أن يكون الهدف ليس تربية »طالب درجات« فقط، وإنما بناء إنسان متوازن، والنجاح الحقيقي هو أن يحقق الطفل تقدمًا دراسيًا دون أن يفقد سلامه النفسي في الطريق.
مسئولية مشتركة
وأكدت الدكتورة أميرة عبدالنبي، أستاذ مجالات الخدمة الاجتماعية فى المعهد العالي للخدمة الاجتماعية فى جامعة كفر الشيخ، أن بداية العام الدراسي تمثل مرحلة جديدة تحمل معها عددًا من الضغوط على الأسرة المصرية، سواء من الناحية المادية أو النفسية، في ظل ارتفاع متطلبات المعيشة وزيادة أعباء الدراسة.
وتوضح أن هذه الضغوط تشمل تكلفة المستلزمات والزي المدرسي، والكتب الخارجية والدروس الخصوصية، إلى جانب صعوبة تنظيم مواعيد النوم وعودة الأبناء إلى الالتزام اليومي، فضلًا عن تأثير الأجهزة الإلكترونية عليهم، وقد تنعكس هذه الأعباء على الحالة النفسية للأسرة، خاصة مع محاولة أولياء الأمور توفير مختلف احتياجات أبنائهم ومقارنتهم بزملائهم.
وتشير الدكتورة أميرة إلى أن التعليم ما زال يمثل أولوية أساسية للأسرة المصرية بمختلف مستوياتها الاقتصادية، باعتباره وسيلة مهمة لتحسين فرص الأبناء في العمل ورفع مكانة الأسرة اجتماعيًا.
وترى أن تقليل الاعتماد على الكتب الخارجية والدروس الخصوصية ممكن، إذا أصبح الكتاب المدرسي أكثر شمولًا، وقدم للطالب المعارف والتطبيقات والتدريبات التي يحتاجها، إلى جانب تطوير اليوم الدراسي ليكون كافيًا لاحتياجات الطالب، مع ضمان وجود المعلمين وتطوير مهاراتهم وتحسين أوضاعهم المادية.
وأكدت أن دور المدرسة لا يقتصر على التعليم فقط، وإنما يمتد إلى بناء شخصية الطالب نفسيًا واجتماعيًا وجسديًا من خلال الأنشطة الفنية والثقافية والرياضية. كما شددت على أهمية تفعيل دور الأخصائي الاجتماعي داخل المدارس لمساعدة الأسر الأكثر احتياجًا، وتوفير الدعم والمستلزمات للطلاب بالتعاون مع الجمعيات الأهلية.
وترى أن نجاح العام الدراسي مسئولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع، داعية الأسر إلى دعم المدرسة واحترام دور المعلم، وأن العام الدراسي ليس مجرد فترة للحصول على الدرجات، وإنما فرصة لبناء إنسان واعٍ يجمع بين العلم والأخلاق والانضباط والقدرة على الإبداع.









