فى ذكرى ميلاد الرسول محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب، نظرت حولى أتلمس القدوة فى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوة الدعوة التى نقلت مجتمع قريش من عصر الجاهلية بظلامه وجهله إلى عالم الإسلام بنوره وأخلاقه، ومن عبادة الأوثان والأصنام إلى عبادة الله الواحد الديان، ومن وأد البنات وشرب الخمر والميسر، إلى رفع شأن المرأة وحرمة الدماء.
وجدت نفسى أتساءل، ما الذى حافظ عليه العالم الإسلامى من قيم الرسول ودعوته؟، وما التحديات التى تعوق وصول هذه المجتمعات الإسلامية إلى الصورة المبتغاة؟!
سألت نفسي، إذا كان الإسلام قد استطاع اقتلاع بعض قيم الجاهلية وعاداتها من جذورها، فلماذا تعود بعض هذه العادات الجاهلية تطل برأسها من جديد بقوة دفع هائلة تارة باسم العولمة وتارة بالتكنولوجيا الحديثة وعالم الإنترنت؟!.. والأخطر هؤلاء الذين يرتدون ثياب الإسلام وهم للتطرف والإرهاب مدمنون ولأخلاق الجاهلية يعودون وإن اختلفت الأساليب والأشكال.
خطف عقلى للوهلة الأولى هذه المذبحة الكارثة فى مدينة 15 مايو، التى اعترف فيها المتهم بانتمائه لجماعة إرهابية تتمسح بالدين، وأنه ارتكب المذبحة وقتل أربعة من بينهم ابنه «فلذة كبده» و»ضناه» وثلاثة من أهل مطلقته، وأنه فعل ذلك باسم الدين الذى استقاه من خلال «الدارك ويب» أو الإنترنت المظلم، وأنه فعل ما فعل دفعاً للصائل أو صد المعتدى وحملت اعترافات المتهم حقائق صادمة، فقد أعطاه الاخوان المجرمون رخصة للقتل باسم الدين وتبريراً مغلفاً بالدين لتنفيذ القتل والإرهاب والاغتيالات، وأنه ومن خلال السوشيال ميديا تعلم السلوك العنيف واشترى سلاح الجريمة ومعه خزنتان و100 طلقة.
سألت نفسي، أين هذا من الدين الحنيف؟، وكيف يقتلعون من وجدان الإنسان الرحمة والإنسانية والجرأة على مخالفة الشرع والدين وقتل الأنفس بغير حق؟، وهل يمكن لجماعة ترتدى ثوب الإسلام أن تحول الانسان إلى آلة قتل بالريموت كنترول ينسى فيها أخلاق الإسلام وحرمة الدماء متى تعارضت مع مصالحه وأهوائه ولو كانوا ذوى قربى أو حتى أبنائه وذويه؟!
ودون استباق للحكم، فإن اعترافات المتهم إياد محمد الذى قال صراحة إنه دائم القراءة للإرهابى إمام المجرمين سيد قطب، وأنه فعل ما فعل امتثالاً لما تعلمه فى «الدارك ويب» أو الإنترنت المظلم، ولما بحثت عن معنى كلمة «الصائل» وجدتها تعنى المعتدى على غيره بغير حق، فكيف إذن ينطبق الأمر على الابن؟، وهل القتل حق مطلق لإزهاق الأرواح ويتحول المرء إلى قاض وجلاد فى نفس الوقت؟، وتساءلت ما الذى أوصل بعضاً منا إلى هذا المنحدر الذى يبعد كثيراً عن ديننا الحنيف؟!
وجدت فى هذه المذبحة دروساً وعبراً، فإن الانضمام للجماعة الارهابية أحد أركانها وإدمان القراءة فى كتب التطرف والإرهاب ركن آخر.. أما الركن الثالث فهو «الدارك ويب» أو الإنترنت المظلم، الذى يستقطب هؤلاء الذين عميت عنهم أعين الآباء والأمهات ومؤسسات التنشئة الاجتماعية فى المدرسة والمسجد والنادى وقصر الثقافة ومنظمات المجتمع المدني، والأهم من هؤلاء مشايخ الأزهر والأوقاف المعتدلين، بالإضافة إلى ضحايا الإنترنت والشبكة العنكبوتية الذين تغذيهم بشكل صريح أقوال بعض ممن ارتدوا «العمامة» وبحثوا عن الشهرة والأموال و»التريند»، فعاثوا فى الأرض فساداً، وأفسدوا الأسر الطيبة البسيطة، وانقلبت بفضلهم المرأة على الرجل، والرجل على المرأة، فانتشر الطلاق وصار قريباً.
لم أشأ أن أذهب معكم بعيداً، فقد عدت إلى ربى وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذى قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وقال عنه الله عز وجل: «وإنك لعلى خلق عظيم»، وقرأت قول الله عز وجل: «أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون» سورة المائدة الآية 50.
قرأت قول الله: «آلر كتاب انزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد» سورة إبراهيم الآية الأولي.
وقول الله عز وجل: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون» سورة النحل الآية 90، ومن قبل ذلك كله قول الله عز وجل: «وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم» سورة النحل الآية 45.
وجدت فى هذه الآيات ما كنت أبحث عنه، فعندما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أى المؤمنين أفضل إيماناً، قال: «أحسنهم أخلاقاً» رواه عبدالرازق وصححه الألباني.
نظرت فوجدت نفسى وسط عالم إسلامى يحتاج عودة كريمة إلى أخلاق الاسلام.. نودع إلى غير رجعة كل خلق ردئ.. نطبق ديننا الحنيف الذى لا مكان فيه للخيانة أو الغش أو الكذب أو السرقة أو سفك الدماء أو الاستهانة بحرمات الله وحقوق العباد والناس.
نحتاج حياة إنسانية تمتلئ بالمحبة والمودة والنزاهة والتراحم والتعارف والأخلاص «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان».
نحتاج مجتماً لا مكان فيه لمن يأكل مال اليتيم أو يحرم المرأة من ميراثها الشرع أو يسيء إلى جاره.. نحتاج توعية أكبر لشبابنا، فإن بعضاً من الألعاب الإلكترونية عبر الشبكة العنكبوتية تلقى بهم إلى التهلكة وإلى الانتحار وقتل النفس التى حرم الله قتلها، وهو ما يسمى بـ «التعطيس».
لا أجد خيراً أختم به المقال إلا عدد من الجمل قالها جعفر بن أبى طالب للنجاشى ملك الحبشة عندما سأله عن دينه، فرد قائلاً: كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، نأكل الميتة، نأتى بالفواحش، نقطع الأرحام، نسيء الجوار، يأكل القوى الضعيف.. حتى بعث الله نبيناً رسولاً دعانا إلى الله نوحده ونعبده، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحُسن الجوار والكف عن المحارم والدماء.. فبكى النجاشى وبعد قصة أخرى أشهر إسلامه.. وصلى رسول الله عليه صلاة الغائب وهو لم يره، فكان الوحيد الذى صلى عليه رسول الله ولم يره.. ترى هل نحتاج للمزيد؟!، إنما أنا وأنتم رهن بمشيئة الله عز وجل.








