شهدت القاهرة خلال الأيام القليلة الماضية، موجة حارة وارتفاع ملحوظ فى درجات الحرارة، مما أدى إلى وقوع عدد من الحرائق المحدودة فى مناطق متفرقة، وللأسف أسفرت عن وفاة وإصابة عدد من المواطنين نتيجة الاختناق أو سرعة انتشار النيران، ورغم أن هذه الحوادث تثير القلق بطبيعتها، إلا أن اندلاع الحرائق خلال فصل الصيف ليس بوضع جديد علينا أو خارج عن المألوف، حيث تتكرر مثل هذه الوقائع كل عام، مع اختلاف الأشخاص والأماكن وحجم الخسائر الناجمة عنها، ونحن بفضل الله أحسن من دول «القارة العجوز»، التى تشهد زيادة فى نسبة الوفيات بشكل غير مسبوق، نتيجة نفس موجات الحر الشديدة التى تجتاح العالم، والتى على ما يبدو أن لها علاقة بالتغيرات المناخية الحالية.
وهناك أسباب عديدة قد تسهم فى سرعة اندلاع الحرائق، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، يأتى فى مقدمتها الإهمال البشرى، مثل إلقاء أعقاب السجائر فى أماكن غير آمنة، أو إشعال النيران بالقرب من مواد قابلة للاشتعال، وترك بعض الأجهزة ومصادر الحرارة دون توفير التهوية المناسبة، كما يمكن أن تؤدى الأحمال الكهربائية الزائدة، أو استخدام وصلات وأسلاك غير مطابقة للمواصفات، أو تأجيل أعمال الصيانة للمعدات والتجهيزات الكهربائية القديمة، إلى حدوث ماس كهربائي، بالإضافة إلى أن جفاف الأخشاب والأعشاب وبعض المواد الأخرى يجعلها أكثر قابلية للاشتعال خلال فترات الحر الشديدة.
وهذا كان تعليقى على تساؤل أحد أصدقائى، عن وقوع عدد من الحرائق التى أثارت اهتمام الرأى العام خلال الفترة الماضية، وهل وراءها أسباب أخرى غير المعتادة؟ والحقيقة أن التساؤلات أمر طبيعي، بل ومطلوب، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول التساؤلات إلى استنتاجات، تترجم إلى أخبار متداولة، ثم تتحول الأخبار غير الموثقة إلى ما يشبه «الحقيقة» فى أذهان الناس، وهنا تكمن خطورة الشائعات، خاصة فى «دولة التواصل»، لأنها أحياناً قد تكون أسرع من الحقيقة نفسها.
نرى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، روايات متعددة لحوادث وقعت بعضها يفتقر إلى المصداقية، حيث يتم تداولها بسرعة كبيرة، مع إضافة صور «مزيفة» وتفاصيل جديدة فى كل مرة، لتضخيم الحدث وإثارة الخوف والقلق بين المواطنين، وهذا ما تفعله «الجماعة الإرهابية» وأعداء الوطن، الذين يسعون إلى إثارة البلبلة، واستغلال مثل هذه الأحداث لنشر معلومات مضللة، بهدف زعزعة الأمن والاستقرار فى البلد.
وفى النهاية، المشكلة ليست فى وقوع حادث، وإنما فى طريقة تداوله، لأنه يحتاج إلى «وعى حقيقي» لا يعنى تجاهل المخاطر أو التقليل من حجم الحوادث، بل وضعها فى حجمها الطبيعي، وعدم الانفعال ومشاركة أى معلومة قبل التأكد من صحتها، ويجب أن نعلم أن «سيناريو الحرائق» مواجهته لا تقتصر على إطفاء النيران فقط، وإنما مواجهة الشائعات أيضاً، قبل أن تصبح كارثة ويمتد أثرها إلى المجتمع.









