عظيم أن تكون شخصاً ذكياً.. لكننا نحتاجُ أحيانًا إلى التنازلِ والتنكر خلفَ قنِاع اللافهم.. أو ارتداء ذلك الغباء.. أو تلك الحماقة.. التى تخُرِجنا من واقعَ ما نَحنُ فيه، ليس لأننا أغبياء، أو أننا نرُيد أن نكُونَ كذلك حقًا، بل لأن ضريبة ذكائنا قد تكُلفنُا الكثيرَ والكثير من مَشاهدَ وشَواهد قد تحُطم ما بِداخِلنا وداخِل غيرنا من مَشاعرَ وأحاسيسَ جَميلة حُملت عبر آفاق الحُبِّ إلى من نحُب أشياء كانت أم أشخاصاً، تخََطت بِذوقها عَسْعَسَ الروح؛ لِتتَنفس سُمُّو التآلف الفكرى والعاطفى الذى بهما تتَقارب القلوب وتتجاذب. فمَِنَ الذكاءِ أنَْ تكَُونَ غبياً فى بعض المواقف، التى قد تكون كفيلة بإنقاذك من هذا الحطام الذى قد يطال حياتك وحياة من حولك. يرى البعض أن التظاهر بالغباء وعدم مواجهة المواقف بحزم ضعف فى الشخصية، والبعض الآخر قد يراها سبيلاً لنفِاق وهَدْم لثقة، فيما الآخر يراها قمة الذكاء.. أرى أن الاستغباء فنّ يجب عليكَ أن تتُقنَ عزفه بذكاء.. بتِحديد متى وكيف ومع من تستخدمه؟ وإلِاَّ سيكون نشازًا على من لا يتُقن عزفه بِإحكام. إنَّ التظاهر بالغباء صعب بعض الشىء، ولا أحد يحتمل الشعور بأن هناك من يفوقونه ذكاء، وخاصة وأن النفس البشرية جبلت على حُب الظهور والتباهى، لكن التظاهر بأنك أقل ذكاء بل حتى أقرب للبلاهة يعد سلاحاً ذو حدين؛ ففى بعض الأحيان يكون التظاهر بالغباء حكمة وحنكة وفى البعض الآخر يكون دهاءً وخبثاً، فمن يستثمره بشكلٍ إيجابى ينتفع به فى كافة ميادين الحياة، ممّا يؤثر إيجابا على الفرد والمجتمع بشكل عام، بتجاوز كل العقبات والخلافات.. وصولاً إلى راحة البال. أحياناً نجُْبرَ على الاستغباء أمام المخادعين والذين يظُْهرونَ لنا الحب ويخُفونَ الكراهية والحقد بداخلهم، نسُايرهم ونسُاير ما يسعونَ إليه ليس ضعفاً منا، بل لأننا نَعلم أنه لا يَحِيقُ المكرُ السَّيِّئُ إلِاَّ بأهلِهِ. فبعض الأحيان تحَدث أمامنا مواقف تحُتم علينا استخدام الغباء رغمَ وضوح الأشياء أمامنا وفهمنا لها إلا أننا نحُاول أن نخُفى ذلك عنهم. يقول الكاتب الألمانى كورت توشولسكى «من الذكاء أن تمارس دور الغباء وتظُهر نفسك غبياً أمام موقف ما وكأنك لا تفقه شيئاً».
ممارسة الاستغباء الذكى بغضّ الطرف عن بعض التجاوزات الصغيرة وكثير من الوشايات الخبيثة.. كل ذلك من شأنه امتصاص الغضب وإخماد الحقد الدفين وتقليص دوائر الناقمين والماكرين على ذواتنا.
إنَّ مُمارسة فنّ الاستغباء يبُعدنا عن شراك الاستعلاء والتكبر والعجُُب والانبهار بالذات، التى هى من أقبح الخصال البشرية، بل ومن الرذائل التى لا ينبغى للإنسان الاتصاف بها، حيث تجلت هذه الفضيلة وعلا سُموّها وجمالها بالفيلسوف والحكيم اليونانى سقراط حين ذكر تلميذه أفلاطون فى كتابه «محاكمة سقراط»، أنه كان يتجوّل فى أثينا، وفى شوارعها يستوقف الناس ويحاورهم، لا ليعلمهم أو يلقنهم تأملاته الفلسفية بل ليسألهم، كان يسألهم سؤال الجاهل للعالم، ويتظاهر بنوع من الغباء والبلاهة ويتدرج بأسئلته.. ختامًا، لا تقُلل من مستوى ذكائك إلا عند الضرورة الملحة التى تفرض عليك استخدم هذا الفنّ، ولا بأس بأن تجعله أسلوبًا لك خصوصًا حين تكون فيه درء المفاسد بممارستك إياه «فن الاستغباء» أفضل بكثير من جَلبِكَ المنافع بتظاهرك بالذكاء.. وخاصَّة إن كانت هذه المنفعة شخصية. ولنؤكد دائما أن التظاهر بالغباء وبعدم إدراك الموقف هو ما يسمى الاستغباء، سيعطيك قوة لا يستهان بها فى كشف المخادعين والمتربصين ويجعلك تتعامل مع مواقفهم الغامضة المتلونة الملوثة برؤية وفكر يفشل مخططاتهم ويفسد أهدافهم وينال منهم قبل أن ينالوا من شخصك.
حفظ الله مصر
حمى شعبها العظيم وقائدها الحكيم









