لا أحد ينكر أن مقولة الصحافة مهنة من لا مهنة له ساهمت بشكل كبير فى انحدار مستوى العاملين فيها وامتد الأمر ليشمل الإعلام بشكل عام خالقاً حالة من التدنى ا لفكرى والأخلاقى فى بعض الأحيان ومن هنا بدأت الصحافة بمعناها المتعارف عليه تتلاشى وبات الإسفاف هو عنوان المرحلة ليصدر لنا الإعلام نماذج هى فى حقيقة الأمر إساءة للمجتمع .
أذكر عندما بدأت خطواتى الأولى فى عالم الصحافة كان عدد كبير ممن حولى هم خريجو كلية الإعلام عندما كانت كلية واحدة على مستوى الجمهورية فى جامعة القاهرة قبل أن ينتشر الأمر من خلال أقسام الإعلام فى كليات الأدب وهو ما امتد إلى كليات التربية النوعية ورغم الفارق الكبير بين دراسة الإعلام هنا وهناك إلا أن من الأمور المضحكة المبكية أن خريجى جميع هذه الكليات يتساون عند القيد فى نقابة الصحفيين لتجد من اقترب مجموعه من المائة فى المائة يتساوى مع من اقترب مجموعه من الخمسين فى المائة .
ولم يتوقف الأمر عند هذا المشهد بعد أن انتشرت كليات الإعلام فى الجامعات الخاصة لينخفض حد القبول من أواخر التسعينيات لبداية السبعينيات كنسبة مئوية الأمر الذى دفع بالآلاف لدراسة الإعلام بحثاً عن الوجاهة لا العلم والمعرفة ومع ازدياد أعداد الخريجين ومنافسة خريجى الكليات الآخرى فى سوق العمل شهدت كليات الإعلام وأقسامه عزوفاً من الحاصلين على الثانوية العامة وما فى حكمها لينهار الحد الأدنى للقبول إلى الخمسينيات كنسبة مئوية فى مشهد قاتم بل حالك السواد .
دراسة الإعلام تحتاج إلى شخص واسع المدارك يجيد البحث عن المعلومات وصياغتها بأسلوب يفهمه القارئ والأهم من ذلك أن يكون ما يقدمه مفيداً ويمثل قيمة مضافة لمن يتلاقاها فالإعلام ليس مجرد هواية كما أرادوا أن يختصروا لنا الأمر فى جملة «الصحافة مهنة من لا مهنة له» ولكن هو صناعة ورسالة وأداة لتشكيل الوعى والعقول بل أداة للتأريخ والتوثيق فى كثير من الأحيان فهل هذا الدور يليق بطالب حاصل على 50 أو 55 % ..هل إدراك هؤلاء يتناسب مع مهنة تحتاج لأشخاص يدركون حجم المخاطر التى قد تحيط بأوطانهم من وقع ما يكتبونه من كلمات .
فى الماضى كان دخول كلية الإعلام يخضع لاختبارات قبول تشبه اختبارات القبول بوزارة الخارجية واليوم بات دخولها لمن لم يمكنه مجموعه من الالتحاق بأى كلية لذا لا تتعجبوا من التهافت على تغطية الجنازات والعزاءات ممن يطلقون على أنفسهم صحفيين وعلاقتهم بالصحافة كعلاقة سائقى الميكروباصات بعلم الذرة .
هدم الأوطان يبدأ من هدم الإعلام فانتبهوا لذلك واعيدوا للإعلام دوره وابدأوا من إعداد دارسين يدركون دور الإعلام ويجيدون صياغة معطيات تساهم فى تغيير هذا المشهد العبثى واجعلوا المهنة لأصحابها وليس لكل من هب ودب حتى لو أراد خريجوا الكليات الآخرى العمل بها فلابد أن يسبق هذا عامين من الدراسة لفنون الإعلام التى تعتمد فى المقام الأول على المعرفة والإدراك .
اغلقوا كليات الإعلام ولا تجعلوها لمن نجحوا بالكاد فهؤلاء صناعة الإعلام لا تتناسب مع قدراتهم فالإعلامى شخص مثقف لديه القدرة على الرصد والتحليل وادرسوا الأعداد التى يحتاجها سوق العمل سنوياً واكتفوا بها بعيداً عن عشرات الآلاف يخرجون بلا هوية ولا تأهيل .
اقصروا الأمر على من يملكون مهارات تمكنهم من صياغة خطط الإصلاح وصناعة الفارق فى مشهد تصدرت فيه أخبار الفشلة والساقطين القمة وغابت أخبار العباقرة والعلماء وتوقفوا عن النظرة الضيقة لهذه الصناعة الهامة إذا كنتم تبحثون عن صالح هذا البلد ..اصنعوا إعلاماً يبنى العقول وسط حروب باتت الرسالة الإعلامية أحد أهم أسلحتها.








