إذا كنا نعرف جميعًا أن الأموال التى تأتى من مصادر غير مشروعة يقيناً يُطلق عليها «الأموال السوداء»، فماذا إذن عن الأموال مجهولة المصدر « تلك الأموال التى نراها وقد ظهرت فجأة، ودون مقدمات أو سابق إنذار ، هذه الأخيرة أطلق عليها «الأموال الرمادية»: وهى أموال لا تستطيع أن تصفها قانوناً بأنها سوداء، لكنك أيضاً لا تستطيع أن تطمئن إلى بياضها، أموال مجهولة النسب، غامضة المصدر، تقف فى المنطقة الفاصلة بين المشروع وغير المشروع.
>>>
فكما كل الأشياء فى حياتنا تبدأ صغيرة ثم تكبر، أو محدودة ثم تتوسع، أو ضعيفة ثم تقوى، كالإنسان منا الذى يولد طفلاً، ثم يصير صبيًا، ثم ينتقل إلى مرحلة الشباب، ومنها إلى مرحلة النضج، ثم يصل به قطار العمر إلى مرحلة الشيخوخة، ويصبح من كبار السن، وهكذا الثروات المشروعة لابد وأن تمر بمحطات التكوين.
فهل نتصور أن يولد طفل ما اليوم، وبعد خمس سنوات فقط نراه وقد بلغ الأربعين شكلاً ومضمونًا، وتمر الحالة مرور الكرام، ولا نسأل أو نتساءل عن المعجزة التى اختصرت كل تلك السنوات»!
>>>
وكذلك المال، يبدأ أحدهم نشاطاً فى التجارة أو الصناعة أو المقاولات، ويكون من الطبيعى أن تبدأ تلك المشروعات صغيرة، ثم تتوسع بقدر الجهد المبذول والنجاحات المتحققة. وهذه الرحلة تستغرق سنوات من العرق والجهد والتضحيات.
وكذلك الأستاذ الجامعى، لا نجده وقد انتقل من معيد إلى أستاذ فجأة، دون أن يمر بدرجات المدرس المساعد، فالمدرس، فالأستاذ المساعد، فالأستاذ. وهذه الرحلة تستغرق معظم سنى العمر.
والشيء نفسه فى كل المناصب والرتب العسكرية والشرطية والقضائية، هناك سياق منطقى وتسلسل معروف للصعود، وهناك حالات استثنائية لبشر استثنائيين فى كل المجتمعات، يحققون فى عام ما يحققه غيرهم فى سنوات، فهناك نسبة للحظ والمصادفات فى مجال الأعمال أيضًا، كأن يشترى أحدهم ورقة يانصيب فتربح، فيتحول من فقير إلى مليونير بين عشية وضحاها.
>>>
لكن ما لا يقبله عقل أن تجد الكثيرين وقد تحولوا فجأة إلى مليارديرات، دون أن تعرف لهم نشاطاً اقتصادياً واضحاً ورسمياً، لا مصانع حقيقية نراها، ولا تجارة معلومة الهوية، ولا نرى أثراً لأنشطة «البيزنس»، لكننا نرى مليارات تولد من رحم الفهلوة، ومعظمها من طرق غير رسمية «ولن أقول غير مشروعة» من عمولات وسمسرة واستغلال نفوذ، ويتم إنفاقها لشرعنة كل ما هو غير مشروع، وتقنين ما لا يُقنَّن، وغسيل سمعة لا يمكن، بأى حال من الأحوال، أن تصبح بيضاء.
وهناك حالة من الوقاحة واللامبالاة فى قيام هؤلاء بغسيل سمعتهم وتبييض أنشطتهم، بمحاولة التسلل إلى أماكن كانت لا تعرف إلا العظماء من رجال الدولة، ومقاعد لا يجلس عليها إلا القامات من أصحاب الخبرات.
>>>
وبغض النظر عن التفاصيل المفزعة، وهروباً من الجدال العقيم المتوقع من أصحاب المصالح ونهاياتهم الطرفية التى تدافع عنهم حفاظاً على مكتسباتها، أقول إننى – وقد أكون مخطئًا – أرى أن حجم الفساد قد زاد، وعدد الفاسدين قد تضاعف، وصور الفساد تنوعت، وشملت أشكالاً جديدة لا يستطيع القانون بنصوصه تجريمها، كما أن حجم الفساد حقق طفرات مقلقة
والأخطر من كل هذا وذاك هو الجرأة على القانون، واستباحة المال العام، والمنصب العام، والرأى العام.
>>>
أتذكر أن قانونًا يُطلق عليه مجازيا «من أين لك هذا» أو قانون الكسب غير المشروع والذى حول أعباء الإثبات إلى المتهم وهو قانون موجود فى مصر، فهل يتم تطبيق هذا القانون وتفعيله على جميع حالات الثراء غير المبررة والتى تحيط بها شبهات حقاً، سواء عاملين فى الدولة أو غير عاملين بها «أم أنه من القوانين الخاملة أو الكسولة أو المتحفظة» وإن كان لى أن أقترح، فإننى أقترح أن يتم تعديل اسم هذا القانون ليكون: «من أين لكم كل هذا».









