فى أكتوبر 1992، تعرضت مصر لزلزل غير مسبوق، كان الهلع كبيرا، وأتذكر ما حدث لى مع ذاك الحدث الذى لم نكن قد شهدنا مثله من قبل، بينما كنت أقف فى مبنى جريدة الجمهورية القديم العتيق بشارع زكريا أحمد مع أحد الزملاء بالطابق الثالث، وقد أنهيت مهامى فى ذلك اليوم واستعد للعودة إلى منزلي، وإذ بالمبنى يهتز بقوة، وكأن هناك من يمسكه ويرجه، كل شيء حولنا يتأرجح، المصابيح والمكاتب والأرفف، خرج الجميع مذعورين مهرولين إلى الخارج، لا أحد يظن أن ما يحدث زلزالا، إنما كل ما دار فى أذهاننا أن المبنى القديم ينهار على رءوسنا، وفور وصولنا إلى الشارع وجدناه مكتظا بالبشر، وهناك من أصيب من الناس الذين خرجوا جميعا وهم يتدافعون فى رعب ومشهد صعب.
هدأت النفوس قليلا، بعد محاولة استيعاب الموقف، لكن لا وقت للتفكير إلا فى المهة الأصعب، وهى تغطية الحدث الكبير، الذى فرض نفسه علينا وعلى وسائل الإعلام ووكالات الأنباء العالمية، فبعدما كانت الجريدة تقترب من نهاية «التشطيب» والإنجاز استعدادا للدخول فى مراحل الطباعة، انقلب كل شيء وتم إلغاء كل الأخبار وإلقاء الصفحات الجاهزة فى سلة المهملات، لنبدأ فى إعداد عدد جديد من «الجمهورية»، لا صوت فيه يعلو فوق صوت وأحداث الزلزال، ورغم صعوبة التحرك والزحام والتكدس الذى حدث فى شوارع القاهرة، انظلقت كتائبنا الصحفية وانتشرت فى كل أرجاء العاصمة، والتواصل مع زملائنا المراسلين فى المحافظات لتسجيل كل ما حدث بالكلمة والصورة.
ساعات صعبة بين بلاغات النجدة، وجهود الدفاع المدنى وطواريء المستشفيات وتحرك كل اجهزة الدولة والإجراءات التى اتخذتها الحكومة لاحتواء الموقف الصعب وغير المسبوق، حتى توقفنا أمام «المانشيت» أو العنوان الرئيسى فى الصفحة الأولي، حتى خرج العنوان باللون الأحمر الذى مازلت أذكره بعد مرور 34 عاما «مصر اهتزت 28 ثانية»، وظللنا بعدها أياما نعمل ونتابع، ثم نسينا الزلازل إلا قليلا مما يقع دون تأثير، ويمر علينا مرور الكرام.
وفى الساعة الثالثة ودقيقة تقريبا قبل فجر أمس، استيقظت من النوم على أثر زلزل شديد، شعر به الملايين من سكان المنطقة، وكما ذكر المعهد القومى للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية أن محطات الشبكة القومية للزلازل سجلت هزة أرضية بقوة 5.6 درجة على مقياس ريختر على بُعد 61 كم شمال شرق شرم الشيخ، ولم يكن من السهل متابعة النوم، فلا بد من البحث للوقوف على المزيد من المعلومات للاطمئنان على كل ربوع مصر، فقد أثارت الهزة التى لم تكن سهلة، حالة من القلق والذعر، أحاول معرفة النتائج وخشية التوابع، فالمعروف أن لكل هزة أرضية توابع متوقعة، وخلال ثوان معدودة تحولت وسائل التواصل الاجتماعى إلى هذا الحدث المفاجيء، ما بين تساؤلات وبيانات وأخبار، حتى أوضحت الشبكة القومية لرصد الزلازل الموقف، وطمأنت المواطنين وكشفت عن طبيعة الهزة، وأنه لم يتم رصد أى خسائر فى الأرواح أو الممتلكات.
وهذا الحدث يعيد السؤال المتكرر، هل تقع مصر فى حزام الزلازل؟، وتأتى الإجابة المؤكدة على ألسنة الخبراء، بأن البلاد فى منطقة آمنة تماماً ولا تصنف ضمن حزام الزلازل، وتفصلها مسافة أمان تتجاوز 400 كيلومتر عن أقرب حزام زلزالي، وكل ما يحدث هو تأثر طفيف بأحزمة تقع جنوب البحر الأحمر، كما تؤكد السجلات الجيولوجية أن مصر تتمتع باستقرار تكتونى نسبي، وتبتعد بمسافات آمنة عن مراكز النشاط الزلزالي.
ورغم عدم وجود خسائر، إلا أن هزة الأمس التى بلغت قوتها 5.6 درجة، تعيد للأذهان زلزال 1992، الذى سجل 5.8 درجة، وأسفر عن وفاة 545 شخصًا وإصابة 6512 آخرين، وانهيار 350 مبنى بالكامل، وتضرر أكثر من 9 آلاف مبني.
ولا يمكن أن ننسى فى 1992 أكثم سليمان، الذى عاش 82 ساعة تحت أنقاض عمارة هليوبوليس، التى انهارت بسبب الزلزال، ظل يصارع الموت بعد فقدان عائلته، وتم إنقاذه فى اليوم الرابع وخرج على قيد الحياة.









