فى البداية أرى أنه علينا أن نعود لأصل فهم المعلومات كقوة إستراتيجية، والتى بدأت فى منتصف القرن العشرين، حيث حددها كلود شانون، وهو عالم رياضيات ومهندس أمريكى يُلقب بـ «أبو نظرية المعلومات».. ففى عام 1948 قدّم شانون إطارًا رياضيًا جديدًا لفهم الاتصالات، حيث عرّف مفهوم الإنتروبيا كمقياس لكمية المعلومات وعدم اليقين، وابتكر وحدة BIT كأساس للبيانات الرقمية. هذه النظرية أرست قواعد ضغط البيانات وتصحيح الأخطاء، وأصبحت حجر الأساس لعصر الاتصالات والإنترنت والذكاء الاصطناعى، مما جعل شانون أحد أبرز العقول التى غيّرت وجه العالم الرقمى. بينما طور نوربرت وينر هو عالم رياضيات وفيلسوف أمريكى يُعرف بأنه مؤسس علم السيبرنطيقا «Cybernetics» فى كتابه الصادر عام 1948 بعنوان السيبرنطيقا: أو التحكم والاتصال فى الحيوان والآلة، وضع إطاراً لفهم كيفية انتقال المعلومات والتحكم فى الأنظمة سواء كانت بيولوجية أو ميكانيكية.
هذا العلم قدّم مفاهيم مثل التغذية الراجعة «Feedback» التى تُمكّن الأنظمة من التكيف والتعلم، وأصبح أساساً لتطور الحوسبة، الروبوتات، والذكاء الاصطناعي. والسيبرنطيقا عند وينر لم تكن مجرد نظرية تقنية، بل رؤية شاملة تربط بين الإنسان والآلات، وتفتح الباب أمام عصر جديد من التفاعل بين التكنولوجيا والمجتمع.. ثم جاء مارشال ماكلوهان وهو المفكر الكندى الذى أسس ما يُعرف بـ «نظرية الإعلام» فى ستينيات القرن العشرين، والذى اشتهر بمقولته الشهيرة «الوسيط هو الرسالة»، والتى تعنى أن طريقة نقل المعلومات «الوسيط» تؤثر فى المجتمع أكثر من مضمون الرسالة نفسها. رأى ماكلوهان أن وسائل الإعلام ليست مجرد أدوات للتواصل، بل هى قوى تُعيد تشكيل الإدراك البشرى والعلاقات الاجتماعية. لذا نظريته فسّرت كيف غيّر التليفزيون، ثم الإنترنت لاحقاً، طبيعة الثقافة والوعى الجمعي، وجعلت من الإعلام عاملاً مركزياً فى تشكيل الهوية والعالم الحديث.
لقد شكّلت التكنولوجيا دائمًا وأبدًا وعينا وطريقة استهلاكنا للمعلومة؛ فمن كتابات المصريين القدماء على البرديات وجدران المعابد، مرورًا باختراع مطبعة جوتنبرج فى منتصف القرن الخامس عشر، وصولاً إلى منصات مارك زوكربيرج وإيلون ماسك الرقمية، ظلّت التكنولوجيا المحرك الأساسى لتطور المعرفة وانتقالها عبر العصور بين البشر!
فى عالمنا الرقمى المعاصر، أصبحت المعلومة هى القوة الحقيقية، حيث يتواصل يوميًا ما يقارب ستة مليارات إنسان، وكل منهم لم يعد مجرد مستهلك للخبر، بل تحول إلى صانع له أيضًا.. الأرقام تكشف بوضوح عن هذا النمو الهائل فى استخدام منصات التواصل الاجتماعى حول العالم.فقد أعلنت شركة ميتا أن مجموعة تطبيقاتها «فيسبوك، إنستجرام، واتساب، ماسنجر» وصلت إلى حوالى 3.6 مليار مستخدم نشط يوميًا فى المتوسط، وهو رقم يعكس هيمنة هذه المنصات على المشهد العالمي. أما تطبيقات وى تشات وويكسين فقد سجلا معًا نحو 1.5 مليار حساب نشط شهريًا حتى سبتمبر 2025، مما يؤكد قوتهما فى السوق الصينية والآسيوية. وفى المقابل، حقق تطبيق سناب شات نموًا ملحوظًا، إذ بلغ عدد مستخدميه النشطين شهريًا حوالى 950 مليون مستخدم عالميًا فى الربع الأول من عام 2026. وهذه الأرقام تعكس أن المعلومة لم تعد حكرًا على الدول أو المؤسسات الرسمية أو المنابر الإعلامية الكبرى، بل أصبحت نتاجًا لحظياً لمليارات البشر، وهو ما يجعل التكنولوجيا الرقمية اليوم المحرك الأساسى لتشكيل وعينا الجماعى وصياغة طرق استهلاكنا للخبر والمعرفة.
من هنا يتم طرح هذا التساؤل: هل يمكننا حقًا السيطرة على هذا الفيضان من المعلومات، أو ضبط آليات إنتاج واستهلاك الخبر فى عالمنا الرقمى المترابط بلا حدود أو حواجز؟ أظن أن الإجابة ببساطة هى «لا». فالمعلومة اليوم أصبحت نتاجًا لحظيًا على منصات التواصل الاجتماعي، التى تتحكم بما يظهر وما يُخفى عبر خوارزميات غامضة، أقرب إلى صندوق أسود لا يعرف أحد ما بداخله، حتى مطوريها أنفسهم فى بعض الأحيان. والسؤال الأعمق: هل تستطيع الدول والمجتمعات فرض التنظيم على هذه الإمبراطوريات الجديدة وأباطرتها مثل مارك زوكربيرج وإيلون ماسك؟ ففى أغسطس 2026 بلغت ثروة ماسك نحو 800مليار دولار، وزوكربيرج حوالى 200 مليار دولار، أى ثروات شخصية تقارب فى حجمها صناديق سيادية لدول كبري. وهذا يبرز حجم الفجوة بين القوة المالية للأفراد والدول، ويطرح تساؤلات كثيرة حول موازين القوة فى الاقتصاد العالمى الرقمي.
ففى ديسمبر 2025 أعلن الاتحاد الأوروبى عن فرض غرامة قدرها 120 مليون يورو على منصة «X» المملوكة لإيلون ماسك، بسبب مخالفات تتعلق بقانون الخدمات الرقمية الأوروبي. هذه المخالفات شملت تحويل علامة التوثيق إلى خدمة مدفوعة بشكل اعتبره الاتحاد مضللاً، إضافة إلى نقص الشفافية فى مكتبة الإعلانات وعدم توفير البيانات اللازمة للباحثين كما يفرض القانون. القرار مثّل أول تطبيق صارم لهذا القانون ضد منصة أمريكية كبري، ما جعله قضية محورية فى العلاقة بين بروكسل وواشنطن.إيلون ماسك لم يتأخر فى الرد، حيث وصف الغرامة بأنها هجوم مباشر على حرية التعبير، وكتب على منصته أن الاتحاد الأوروبى يسعى إلى فرض رقابة على المنصات الأمريكية. وفى تغريدة مثيرة للجدل، أشار ماسك إلى أن الاتحاد الأوروبى نفسه يجب أن يُلغى وأن السيادة ينبغى أن تعود إلى الدول بصورة فردية، معتبرًا أن القرار ليس تنظيميًا بقدر ما هو سياسي.
أما ردود الفعل الرسمية الأمريكية فجاءت سريعة، إذ اعتبر وزير الخارجية ماركو روبيو أن الغرامة الأوروبية ليست مجرد إجراء ضد «X»، بل هى هجوم على جميع الشركات التكنولوجية الأمريكية وعلى الشعب الأمريكى من قبل حكومات أجنبية! مؤكدًا أن عصر الرقابة عبر الإنترنت قد انتهي. أما نائب الرئيس جى دى فانس فقد انتقد القرار بشدة، معتبرًا أن الاتحاد الأوروبى يعاقب «X» لأنها لم تنخرط فى الرقابة، ووصف الخطوة بأنها هجوم على الشركات الأمريكية بسبب تفاهات، داعيًا بروكسل إلى دعم حرية التعبير بدلاً من استهداف منصات التكنولوجيا الأمريكية، كونهم غير قادرين على منافستها.
من جانبها، شددت المفوضية الأوروبية على أن القرار لا يستهدف دولة أو شركة بعينها، بل هو جزء من عملية ديمقراطية تهدف إلى حماية المستخدمين الأوروبيين من التضليل والمحتوى الضار. وأكدت أن الهدف هو إنهاء ما وصفته بـ «الغرب المتوحش الرقمي» عبر فرض قواعد شفافة على المنصات الكبرى.
هذه القضية تكشف عن توتر متجدد بين الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة حول تنظيم شركات التكنولوجيا، وتطرح جدلاً واسعًا بين من يرى أن القرار يقيد حرية التعبير ومن يعتبره خطوة ضرورية لحماية المستخدمين. كما أنها تمثل سابقة قانونية مهمة، إذ تعد أول حالة عدم امتثال يتم التعامل معها تحت مظلة قانون الخدمات الرقمية، ما يجعلها نقطة مرجعية لمستقبل العلاقة بين الحكومات وشركات التكنولوجيا العملاقة.
من هنا أرى أن التعامل مع العالم الرقمى لا يمكن أن يتم بنفس المفاهيم التقليدية التى كانت سائدة قبل العصر الرقمي، بل لابد أن يكون بآليات جديدة تتناسب مع هذا الواقع المتسارع الذى يتمحور حول قوة المعلومات. فالمعلومة اليوم لم تعد حكرًا على المؤسسات أو النخب، بل أصبحت تُنتَج من كل سكان الكرة الأرضية، ويمكن لمنشور أو مقطع فيديو عن حدث فى مدينة صغيرة تقع فى أقصى شمال الأرض أن يتحول فى لحظة إلى حدث عالمى يشاهده مئات الملايين فى نفس وقت وقوعه.
فى هذا السياق، لم يعد للسردية الواحدة أو الحقيقة المتأخرة مكان فى عالم مفتوح يتدفق فيه الخبر والمعلومة بلا توقف.. وأى محاولة لفرض آليات الماضى على هذا الواقع الجديد ليست فقط مضيعة للوقت، بل الأخطر أنها تؤدى إلى فقدان المصداقية، وهى الثروة الحقيقية فى عالمنا المادى والرقمى على حد سواء. والحفاظ على هذه المصداقية يتطلب جهدًا جماعيًا متواصلاً لحماية المجتمعات والبشر من الانزلاق فى دوامة التضليل وفقدان الثقة.
إن هذا الواقع يفرض علينا التفكير مليًا فى صياغة عقد اجتماعى عالمى جديد يأخذ فى الاعتبار التسارع التكنولوجى الذى أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتنا، ولا نملك رفاهية الاستغناء عنه. عقد عالمى يشارك فى صياغته الجميع، ويضع أسسًا للتوازن بين حرية التعبير، وحماية المجتمعات، وضمان الشفافية فى فضاء رقمى لا يعرف الحدود.









