مبنى الإذاعة و التليفزيون المصرى الكائن على نيل القاهرة أو«ماسبيرو» كما اصطلح على تسميته نسبة إلى عالم المصريات الفرنسى جاستون كاميل شارل ماسبيرو، لم يكن يوما مجرد مبنى حكوميا عاديا، فعلى صعيد الشكل ليس له شبه بكتلته المعمارية الفريدة التى تمثل ثـقـلا بصريا مبهرا، بطوابقه العشر الأولى المتسعة كقاعدة هرم، ثم بـرجـه بطوابقه السبعة عشر ليبدو كجبل شاهق، شاهد فى قلب القاهرة، وهو بالفعل كذلك جبل يحوى فى قلبه ذاكرة أمة، ثروة هائلة من التسجيلات والوثائق التى توثق تاريخ مصر عبرعقود، مكتبة ماسبيرو ليست مجرد أرفف من الأشرطة والاسطوانات وإنما كنز من الذكريات، يمثل ذاكرة مصر الحديثة، بإمكانك أن ترى وتسمع مصر من بين تلك الأرفف، تشتم رائحة الزمن وتعانق مسامعك أصوات من فارقوا من الزعماء وأهل السياسة، والمفكرين والمبدعين والعلماء، بين جنبات مكتبة ماسبيرو ستمر على حروب وانتصارات ولحظات قوة ولحظات انكسار، ستجد كل هذا موثقا، إلى جانب إبداعات كبار المطربين والموسيقيين، وروائع الدراما، كنوز صنعت وجدان المصريين والعرب لعقود طويلة، إنها أكبر وأمتع وأثرى ذاكرة بصرية سمعية فى إفريقيا والعالم العربى.
لذلك يعد مشروع رقمنة تراث ماسبيرو الذى يصل إلى نحو مليون شريط صوتى ومرئى بإجمالى 800 ألف ساعة من المحتوى، باستخدام أحدث التقنيات وقواعد بيانات رقمية مؤمنة، مشروعا قوميا بامتياز لحفظ التراث الوطنى، ومطالبة الرئيس عبد الفتاح السيسى بالبدء الفورى فى هذا المشروع لا تنفصل عن اهتمام الدولة المصرية والرئيس شخصيا بمشروع بناء الإنسان، فحفظ الذاكرة وصون التاريخ الثقافى والحضارى للأمة خطوة فى طريق بناء الإنسان.
لماذا نقول إنه مشروع قومى بامتياز؟، لأنه لا يقتصر على حفظ المحتوى فقط وصيانة نحو مليون شريط صوتى ومرئى من التلف، بالتعاون مع الجهات والمؤسسات المعنية وكبرى الشركات العالمية المتخصصة، وإنما يهدف أيضاً إلى إعادة إحياء هذا التراث وإتاحته بصورة عصرية تتوافق مع التطور التكنولوجى، من خلال تحويله إلى محتوى رقمى يمكن عرضه عبر منصات ماسبيرو والمنصات الرقمية المختلفة، بما يتيح للجمهور، داخل مصر وخارجها، الوصول إلى هذا الإرث الإعلامى بسهولة وجودة عالية تواكب التطورات التكنولوجية، وتخدم الأغراض الثقافية والتعليمية والإعلامية.
مطالبة الرئيس بعرض ما يتحقق فى مشروع رقمنة ماسبيرو على الرأى العام، تشير إلى رغبة الرئيس فى إشراك المصريين فى متابعة هذا المشروع خطوة بخطوة، فهذه ذاكرتهم وهذا تراثهم، بما يحتويه من برامج، سياسية وثقافية وفنية ودينية ووثائق نادرة توثق محطات مفصلية فى تاريخ الدولة، فأجيال متعاقبة نشأت على ما قدمه ماسبيرو من مسلسلات وبرامج إذاعية وتلفزيونية، تركت أثراً عميقاً فى وجدانهم، ومن حقهم متابعة عملية صونه.
الاستثمار فى رقمنة التراث الإعلامى يعد استثماراً فى القوة الناعمة المصرية، لأنه يحافظ على الهوية الوطنية، ويجعلنا من المنتصرين دائما فى حروب الذاكرة ، فستسهم عملية الرقمنة فى إعادة تقديم أعمال إذاعية وتلفزيونية ذات قيمة تاريخية وثقافية للأجيال الجديدة، فضلاً عن توفير مادة أرشيفية مهمة للباحثين والدارسين، وتعزيز الحضور الرقمى للإعلام المصرى وإبراز قيمته التاريخية والثقافية على المستويين العربى والدولى، ويكتسب المشروع أهمية مضاعفة فى ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعى، التى تقدم كماً هائلاً من المحتوى المتنوع، لا يخلو بعضه من مضامين سلبية أو بعيدة عن القيم المجتمعية، وإتاحة التراث الإعلامى المصرى عبر المنصات الرقمية يوفر بديلاً ثقافياً وتربوياً موثوقاً، ويساعد على ترسيخ القيم المصرية الأصيلة، وتعزيز ثقافة الانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية لدى الأجيال الجديدة، وهذا فى رأيى أعظم وأهم درس فى التنشئة السياسية.
فى نفس الوقت وجه السيد الرئيس بالجمع بين تطوير البنية التحتية لماسبيرو وتوسيع المحتوى الإعلامى، مع تعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة والاستعانة بالخبرات المتخصصة لمواكبة التطورات المتسارعة فى قطاع الإعلام، فالمشروع يشمل أيضا ربط 28 استوديو داخل الهيئة الوطنية للإعلام بمنظومة إدارة المحتوى الجديدة، بما يسمح بدمج الأرشيف التاريخى مع الإنتاج الإعلامى الحالى فى بيئة رقمية موحدة تعتمد على أحدث التقنيات، وإنشاء منظومة متكاملة لإدارة الأصول الإعلامية تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعى، بما يتيح البحث الذكى داخل المحتوى والتعرف على الأشخاص والأماكن والأحداث بشكل لحظى، الأمر الذى يسهل الوصول إلى المواد الأرشيفية ويعزز فرص إعادة استخدامها وإعادة استثمارها.
أخيرا إنها ذاكرة أمة تستحق أن تصان، وكما قال العقاد:
بنى مصر صونوا لها حقها.. كبار النفوس كبار الشيم.









