دائماً ما أتابع جهود أجهزة ومؤسسات الدولة المختلفة فى التعامل مع الشباب ومحاولات زرع أسس الوعى والانتماء داخل نفوسهم التى تأثرت بالمحتويات التى تبث من خلال وسائل التواصل المختلفة سواء كان هذا التأثير دينياً أو أخلاقياً أو سلوكياً والأهم من ذلك خلخلة ارتباطهم بوطنهم وانتمائهم له مما يعرضهم لمحاولات الانخراط فى جماعات تعمل ضد صالح الوطن أو اعتناق أفكار متطرفة أو سلوكيات شاذة بعيدة عن القيم التى تربينا عليها أو على الأقل زرع كراهية المجتمع فى نفوسهم من خلال بث الشائعات والفتن والعمل على تفكيك أواصر المواطنة داخل الوطن الواحد بل داخل الأسرة الواحدة.
رأيت أن هناك جهداً كبيراً يبذله فضيلة الأستاذ الدكتور محمد نظير عياد مفتى الديار المصرية فى هذا الإطار فمن خلال متابعتى لجهود فضيلته خلال الأيام القليلة الماضية وجدته يشارك فى حلقة نقاشية مفتوحة بمكتبة الأسكندرية تحدث فيها عن دور المؤسسات الدينية فى مواجهة الجماعات المتطرفة معتمدة فى ذلك على التقنيات الحديثة خاصة المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعى وهو ما تجيده تلك الجماعات فى نشر أفكارها وتأثيرها على الرأى العام وهو الأمر الذى فرض على مؤسساتنا الدينية ضرورة امتلاك الأدوات نفسها واستخدام الوسائل الحديثة بما يخدم رسالتها الوسطية ويعزز قدرتها على مواجهة الفكر المتطرف.. كما أوضح فضيلته تبنى لغة الحوار مع الشباب من خلال «وحدة الحوار» التى تمثل إحدى منصات دار الإفتاء التى تعنى بمخاطبة الشباب وتصحيح المفاهيم لهم وإجراء المراجعات الفكرية ومواجهة الأفكار المنحرفة وذلك من خلال منهج متعدد التخصصات يضم إلى جانب علماء الشريعة خبراء فى الطب وعلم النفس والاجتماع انطلاقاً من القناعة بأن معالجة الكثير من القضايا الفكرية تتطلب فهماً علمياً وإنسانياً متكاملاً بما يعزز فرص التصحيح والإرشاد ويرسخ قيم الوسطية والاعتدال.. وفى اليوم التالى مباشرة عاد من الأسكندرية ليشارك فى ندوة ثقافية عقدها معهد إعداد القادة بحلوان أمام جمع كبير من طلبة الجامعات المصرية الذين يمثلون فئة لا يستهان بها من أبناء «جيل زد» وهو الجيل الذى ولد خلال الفترة من عام 1997 حتى 2012 والذى يعتمد فى المقام الأول فى تعاملاته اليومية على وسائل التواصل الإجتماعى بمختلف أنواعه وهو ما يجعله عرضه للتأثر بما تحتويه من مواد وبرامج ورسائل وأفلام على وعيه وانتمائه وولائه بل وأيضاً لتجنيده لصالح الجماعات والتنظيمات المتطرفة.. وهنا أشدد على أن التطرف ليس بالضرورة أن يكون تطرفاً دينياً وإرهابياً فقط بل تطرف فى الفكر والثقافة والقيم والعادات وها نحن نرى ازدياد حالات الإلحاد والطلاق والزواج العرفى بين الطلبة والانحلال الأخلاقى والتفكك العائلى وإعتداء الأبناء على والديهم والجرائم التى تزداد يوماً بعد يوم تحت تأثير انتشار المخدرات وأفلام العنف وغيرها من ظواهر لم تكن موجودة إلا بعد انتشار تلك الوسائط الإليكترونية التى تتضمن من البرامج ما يحض على تلك الأفعال.. ومع ذلك اجتهد فضيلة المفتى فى هذا اللقاء الذى استغرق عدة ساعات فى إقناع الشباب الحضور بأنهم يمثلون قدوة فى العلم والعمل والاعتدال والقدرة على مواجهة التحديات وانهم أمل المستقبل ولابد لهم من التمسك بالقيم التى أرستها الرسالات السماوية لأنها هى الأساس فى بناء مجتمع قوى ومتماسك وشدد على ضرورة التحرى عن المعلومات التى ترد إليه من خلال وسائل التواصل للتأكد من صحتها تحسباً من أن تؤثر سلباً على وعيهم وإخلاصهم لوطنهم.. كما توقف عند ما وصفه «بالسيولة الأخلاقية « فى الواقع المعاصر وأعطى عدة أمثلة لذلك كانت هناك الخصوصيات ونشر الشائعات وتتبع العورات والترويج لمفاهيم مغلوطة كالدعوة للمساكنة أو المثلية مؤكداً أن ذلك يتجافى مع تعاليم السماء وأعراف المجتمعات ذات التاريخ الأخلاقى العريق وأن ما يقرره الدين ينبغى أن ينعكس على سلوك الإنسان فى وطنه.. وفى معرض حديثه عن الشباب أكد أن أول عوامل السقوط الحضارى هو بث الهزيمة النفسية والتشكيك فى مؤسسات الدولة داعياً الشباب إلى تقدير ذواتهم وتطويع إمكانياتهم لخدمة مستقبلهم بالعلم والمعرفة موضحاً أن التفاضل الحقيقى يكون بالعلم والعمل فقط.. ومؤكداً لهم أن جميع الرسالات السماوية دعت إلى احترام النفس الإنسانية والتحلى بالفضيلة ورفض الرذيلة والاعتداد بالأمانة مشدداً على أن أصل الأزمات المعاصرة إنما هو أخلاقى بالأساس مضيفاً أنه لا توجد مشكلة ثقافية أو اقتصادية أو اجتماعية أو علمية أو حتى سياسية إلا وأصلها الأخلاق لأن استقامة الأخلاق تعنى استقامة القائد والعالم والقاضى والإعلامى وسائر فئات المجتمع وطالبهم أيضاً باستشعار مسئوليتهم تجاه وطنهم واختيار الصحبة الصالحة وتعزيز الرقابة الذاتية محذراً من الفتاوى الشاذة التى قد تهدد الأمن الفكرى من خلال وسائل الذكاء الاصطناعى المختلفة التى يمكن الاستفادة منها فيما يجعلها وسيلة لخدمة الإنسان وليست وسيلة للسيطرة على تفكيره والتأثير على ولائه وقيمة ووعيه إطلاقاً.
كنت حريصاً على لقاء بعض الشباب الذين شاركوا فى هذا اللقاء للوقوف على مدى اقتناعهم بما جاء فيه وعما إذا كان متناسباً مع ثقافتهم ووعيهم حيث أكدوا جميعا أن اللقاء كان مثمراً للغاية وكان الحديث من القلب إلى القلب واتسم بالبساطة والبعد عن التعقيدات اللغوية والمصطلحات الصعبة وكانت إجابات فضيلته على تساؤلاتهم بسيطة ومقبولة ومقنعة إلى حدٍ كبير وطالبوا بزيادة تلك الجرعة التى استفادوا منها من خلال الانتشار فى الجامعات بمختلف المحافظات واستضافة القادرين على توصيل المعلومات بسهولة وبساطة مثلما حدث فى هذا اللقاء مؤكدين أن هناك بالفعل العديد من الأفكار والمفاهيم قد تغيرت لديهم بعد اللقاء الذى خاطب قلوبهم وعقولهم.
ومن هنا فإننى أضم صوتى إلى صوت هؤلاء الشباب للتوسع فى هذه اللقاءات على مستوى جميع محافظات الجمهورية واستضافة الشخصيات القادرة على الإقناع والمقبولة لدى شبابنا سواء من رجال الدين أو العلم أو الثقافة أو الفن لأن مسئولية توعية الشباب هى مسئولية المجتمع بأسره وليست مسئولية مؤسسة أو هيئة أو وزارة واحدة بل هى منظومة متكاملة لصناعة قادة المستقبل القادرين على حمل مسئولية الوطن بثقة واقتدار.









