أصبحت من المشاهد المتكررة والمألوفة التى نراها فى كثير من الشوارع والأحياء، حتى باتت ظاهرة «النباشين» وضعاً طبيعياً!، هؤلاء الأشخاص الغريبون، الذين يبحثون داخل حاويات النفايات «صناديق الزبالة» عن البلاستيك والمعدن والكرتون، وغيرها من المخلفات القابلة لإعادة التدوير، بهدف بيعها وتحقيق دخل يومى، ورغم أن كثيرًا منهم يلجأ إلى هذا العمل المؤذى بسبب ظروف الحياة، أو تعاطى المخدرات، إلا أنها تترك آثاراً سلبية على المجتمع بدءاً من تلوث البيئة، وصولاً إلى تدهور فى الصحة العامة.
كانت بداية ظهور هؤلاء «النباشين» فى مجتمعنا، بغرض البحث عن مصدر رزق بأى وسيلة متاحة، لكن هناك سبباً آخر، أدى إلى نفشى مثل هذه الحالات، هو ارتفاع الطلب على المواد القابلة لإعادة التدوير، أدى إلى زيادة سعرها كل يوم، وساهم فى تشجيع البعض على جمعها من الصناديق فى الشوارع، بالإضافة إلى غياب «الزبالين» المسئولين على تنظيم عملية جمع وفرز النفايات فى بعض المناطق بجانب، استغلال بعض التجار للمدمنين والمشردين فى شراء المواد منهم بأسعار رخيصة.
لا ننكر، أن «النباشين» لهم ميزة خطيرة، تتمثل فى إسهامهم غير المباشر فى تقليل حجم القمامة بعد رفع النفايات القابلة للتدوير منها، لكن سرعان ما تنقلب الفائدة إلى خطأ فادح يكلفنا الكثير، حيث يقوم أغلبهم من الأطفال والشباب وهما الفئتان الأكثر استغلالاً، خلال بحثهم فى النفايات ببعثرة «الزبالة» غير المطلوبة «التى ليس لها قيمة مادية» فى الشوارع غير مبالين تماماً بالنتائج التى تحدث، نظراً لأن أغلبهم يتعاطون المواد المخدرة التى تسمى «الأيس»، وهذه كارثة أخرى تهدد مصير الشباب وتقضى على مستقبلهم دون الشعور بذلك، وما ينتج من تشويه الشكل الحضارى بالمنطقة، بالإضافة إلى احتمالية انتشار الأمراض بسبب تعاملهم المباشر مع المخلفات دون وسائل حماية، وهذا أيضاً يجعلهم أنفسهم عرضة لمخاطر صحية وإصابات مباشرة بسبب ملامسة الأشياء الحادة أو الملوثة، كما أن هذه البعثرة تعيق عمل فرق النظافة أثناء عملية جمع القمامة وإزالتها بواسطة سياراتهم الخاصة .
الخلاصة، أن هذه الظاهرة تعكس مشكلات اقتصادية واجتماعية عميقة فى مجتمعنا، مثل المخدرات والانحراف، وغيره، لذا تتطلب تكاتف كافة الجهود لإيجاد حلول جذرية «من خارج الصندوق»، تبعد عن الإجراءات المعتادة والتشديدات المتكررة، ولو نفترض مثلاً، إدماج من يصلح من هؤلاء للعمل بشكل قانونى فى مهنة النظافة، بعد احتوائهم ودعمهم وللحفاظ على سلامتهم ومستقبلهم، وعقب توعيتهم بأهمية النظافة العامة، وطرق التخلص السليم من النفايات، ودعم مشاريع إعادة التدوير الرسمية، قد نضمن نهاية لهؤلاء «النباشين»، وتحويلهم من شباب «مهمشين» إلى أشخاص منتجين ومسئولين فى المجتمع، وقد نحقق التوازن بين الحفاظ على صحة وكرامة الإنسان وبين صون البيئة المحيطة.









