فى سجلات التاريخ الإنساني، هناك قضية شائكة لم تقو «النباهة البشرية» على حسمها بشكل نهائى، رغم كل الادعاءات بالتقدم الحضارى والأخلاقي: إنها قضية «النزاهة»، فبين المثاليات التى تُعلن فى الخطابات، والوقائع التى تُكتب على الأرض، توجد فجوة عميقة لا تردمها إلا «موازين القوي»، وثمة أحداث ثلاثة، تبدو للوهلة الأولى متباعدة فى الزمان والمكان، لكنها فى جوهرها تجسد هذه المعضلة نفسها:ـ
أولاً: المستطيل الأخضر.. وهم الموضوعية:ـ يُقال إن الرياضة تجمع ولا تفرق، وإنها الملاذ الأخير للنزاهة فى عالم ملوث بالسياسة، لكن القراءة المتأنية لما يدور فى «المستطيل الأخضر» تكشف عن واقع مختلف، فقد كان المفترض أن تُنهى تقنية الـ «VAR» الجدل، وأن تحول اللعبة إلى معادلة رياضية بحتة: خطأ أم لا خطأ، تسلل أم لا، غير أن الوقائع تشهد بأن التقنية لم تلغِ «التقدير البشري»، بل نقلته من الملعب إلى غرفة مغلقة، ففى حالات الالتحام الجسدي، تبقى «نية اللاعب» و«قوة الاحتكاك» خاضعة لتفسير الحكم، وهذا التفسير لا يخلو من تأثيرات نفسية وضغوط جماهيرية وسياسية أحيانًا، إن الجدل الدائر حول «الفار» ليس مجرد خلاف فني، بل هو دليل على أن «الحقيقة» فى العالم نادرًا ما تكون مطلقة.
ثانيًا: واشنطن وطهران.. هدنة من ورق:ـ ننتقل من الملعب إلى دهاليز القرار الدولي، حيث تبدو الصورة أكثر قسوة، فبعد الإعلان عن «هدنة» بين أمريكا وإيران، تعود الحرب بقسوة وتهدأ بقرار فردي، مما يكشف أن الاتفاق كان هشًا أكثر من اللازم، هنا يبرز السؤال المهم: هل تتجه المنطقة إلى حرب شاملة كما يصرح ترامب؟ أم أن الطرفين يستعدان لمعركة طويلة تقوم على «الضغط المتبادل» واستخدام أوراق ردع غير عسكرية؟ التحليل الموضوعى للوقائع، خاصة التموضع الجغرافى للقوات الإيرانية والأمريكية فى الخليج، يرجح كفة الخيار الثاني. فالحرب الشاملة تكلفتها باهظة للطرفين، فالهدنة لم تكن هدفًا بحد ذاتها، بل كانت أداة لاستعادة الأنفاس أو إعادة التموضع، وهذا ما يعلمه التاريخ جيدًا: أن الاتفاقيات فى الشرق الأوسط لا تُحترم لذاتها، بل تُحترم بقدر ما تخدم موازين القوى فى لحظة معينة.
ثالثًا: غزة.. حين تنفد الأكفان:- غزة المأساة الأقسى على الضمير الإنساني، فبينما يتجادل العالم حول بنود وقف إطلاق النار فى غزة، تتصاعد أعداد الشهداء إلى درجة «نفاد الأكفان»، هذه الصورة المروعة ليست مجرد كارثة إنسانية عابرة، بل هى إدانة صامتة للضمير العالمى و«نزاهة المجتمع الدولى».
فكيف يُبرم اتفاق لوقف إطلاق النار، وتستمر عمليات التدمير والتهجير والتجويع؟ وكيف يُوقع على وثائق حقوقية، بينما تُنتهك أبسط حقوق الإنسان فى الحياة والكرامة حتى بعد الموت؟ إن حالة «النسيان» أو «التجاهل» التى تعيشها القضية الفلسطينية ليست عجزًا عن المتابعة، بل هى «سياسة متعمدة» لإرهاق الضمير العالمى حتى يقبل بالأمر الواقع.
إن نفاد الأكفان هو الرمزية الأبلغ على أن الموازين الدولية قد انقلبت تمامًا: فصوت الضحية يُخفت، وصوت القوى يُعلّي، والاتفاقيات تصبح حبرًا على ورق أمام دبابات الاحتلال.
فى النهاية، يربط هذه الأحداث الثلاثة خيط رفيع لكنه متين: «عجز البشرية عن تحقيق النزاهة المطلقة فى ظل اختلال موازين القوى».









