تحدثنا فى المقال السابق عن أهمية جود الأوكتاجون فى مصر وما يمثله من نقلة نوعية فى مفهوم الأمن القومى وكيف يضمن وجوده لجيش مصر الحفاظ على جاهزيته القصوى لحماية ثروات البلاد المتنامية فى البحر المتوسط أو الاتجاهات الحدودية المعقدة بأسلوب علمى حديث ويؤصل لنقلة حضارية تنقل الإدارة المصرية من المعاملات التقليدية إلى عصر التنبؤ بالأزمات وإدارتها بالذكاء الاصطناعى والبيانات الضخمة.
والسؤال الآن: هل يشكل افتتاح «الأوكتاجون» هاجساً ورعباً للقوى المعادية لمصر؟
نعم.. بكل تأكيد فلا يمكن قراءة خطوة بحجم تدشين «الأوكتاجون» خارج سياق الصراع الاستراتيجى وحسابات القوة فى المنطقة.. وفى عالم العلوم العسكرية والجيوسياسية فإن بناء مركز قيادة وسيطرة بهذا الحجم والتحصين والتطور التكنولوجى يرسل موجات ارتدادية مباشرة إلى غرف عمليات القوى المعادية أو المنافسة لمصر ويتحول بالنسبة لها إلى «هاجس حقيقي» لعدة أسباب جوهرية أهمها كسر ميزة الضربة الأولي.. ففى العقائد العسكرية للدول المعادية تعتمد الخطط الهجومية دائماً على شل عقل الدولة فى الساعات الأولى من الحرب من خلال استهداف مراكز القيادة والاتصالات ووزارة الدفاع لقطع الاتصال بين القيادة والوحدات الميدانية.. و»الأوكتاجون» بتحصيناته الفائقة تحت الأرض وقدرته على تحمل ضربات تقليدية وغير تقليدية أحبط تماماً سيناريو الضربة القاصمة.. فالقوى المعادية تدرك الآن أن الجيش المصرى يمتلك عقلاً مركزياً محصناً يستطيع إدارة المعركة وردع العدوان حتى لو تعرضت البلاد لأقسى أنواع الهجوم.
وعلى جانب آخر ظلت بعض القوى الخارجية تراهن لسنوات على تفوقها التكنولوجى وقدرتها على اختراق شبكات الاتصال أو التجسس على المراسلات العسكرية للدول عبر الفضاء السيبراني.. ولكن انتقال مصر إلى «الأوكتاجون» يعنى إغلاق هذا الباب بـقفل مشفر محلياً.. فالمجمع يعتمد على سحابة عسكرية محلية مغلقة ومنظومة اتصالات فضائية مؤمنة عبر القمر الصناعى «طيبة» مما يعنى تفكيك أدوات التجسس الإلكترونى وحروب الجيل الخامس التى كانت تشن ضد مصر وتحولها إلى أدوات عديمة الفائدة أمام منظومة سيبرانية دفاعية وهجومية مستقلة بالكامل.
وفى الحروب الحديثة الطرف الذى يمتلك القدرة على جمع المعلومات واتخاذ القرار أسرع بثوان هو الذى ينتصر.. ووجود غرف العمليات لكافة الأفرع والوزارات فى مكان واحد مدعوماً بالذكاء الاصطناعى يمنح القيادة المصرية وعياً ظرفياً ولحظياً شاملا بالمسرح القتالي.. وهذا يعنى أن أى تحرك معاد على الحدود الشرقية والغربية أو فى أعالى البحار سيواجه برد فعل مصرى فورى ومنسق ومباغت مما يربك خطط العدو ويصيبه بما يعرف عسكرياً بـعمى المعركة.
ويبقى الهاجس الأكبر للقوى التى لا تريد لمصر الاستقرار هو التحول من دولة تدير أزماتها بيوميتها إلى دولة تخطط للمستقبل بعقود.. فـ«الأوكتاجون» هو الرمز المادى والمعنوى لهذا التحول.. إنه يعكس قدرة هندسية واقتصادية وتكنولوجية ذاتية ويبعث برسالة سياسية مفادها أن مصر لم تعد تكتفى بالدفاع التكتيكى عن حدودها بل صممت بنية تحتية قادرة على إدارة مصالحها الحيوية والاستراتيجية فى الإقليم من موقع القوة والسيطرة الشاملة.
إن «الأوكتاجون» يمثل للقوى المعادية «جدار الردع الصامت».. ويخبرهم بلغة الأرقام والتكنولوجيا والمساحات أن أدوات الضغط القديمة ومخططات إسقاط الدولة أو شل حركتها قد انتهت صلاحيتها وأنهم أمام مصر التى تمتلك اليوم أحدث «عقل عسكرى» فى الشرق الأوسط.









