لا يمكن إنكار أن ما يحدث بالمنطقة هو مجموعة من الخطوات والإجراءات تعمل عليها الدول الكبرى وتتصارع فيما بينها لإعادة تشكيل النظام العالمى الجديد، وذلك فى إطار المنظومة الكونية بضرورة حدوث سلسلة من الحروب لإعادة التشكيل والتوازن بين القوى الكبرى التقليدية والقوى الصاعدة، فيما يتعلق بإدارة العالم، ومواجهة هذه التغيرات التى لابد أن تكون جذرية لإحداث التوازن العالمى الجديد مستغلين كافة الأدوات فى تجاوز للقوانين والقواعد الدولية المنظمة للفترة الزمنية الماضية واستعدادا لوضع نظم وقواعد جديدة.
هنا سوف نلاحظ أن أمريكا أيضا تسعى لوضع قواعدها وقوانينها، مثلما فعلت عقب الحرب العالمية الثانية لشكل النظام العالمى الجديد ضمن مخططات طويلة الأمد ولاتكل، ولا تملّ لتنفيذ ما وضعته وان استغرق سنوات وسنوات، وبالتالى وبعيدا عن سيناريوهات مختلفة يضعها البعض من الخبراء والمراقبين وإن كانت فى اعتقادى لم تحاول الإجابة على السؤال الحائر بين شعوب العالم وبصفة خاصة شعوب المنطقة الآن، وهو كيف تُعيد القوى الإقليمية صياغة أمن الشرق الأوسط، والحفاظ على مكانتها ومقدراتها، وأمنها؟!
سوف نحاول أن نبسط الإجابة حتى تصل إلى الجميع بداية من حرص الرئيس السيسى على القيام بزيارات لبعض دول الخليج، واستقبال قادتها، والتى تتعرض لهجمات إيرانية فى إطار المواجهة الحالية بينها وبين أمريكا، والمقابلات التى تتم بمصر، وتصريحات وزير الخارجية المصرى بين الحين والآخر بأن أمن الخليج جزء من الأمن القومى المصري، ولا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض.
وفى اعتقادى أنها رسالة طمأنة لشعوب هذه الدول بأن مصر هى عنصر الأمن والاستقرار بالمنطقة، وأنها لن تترك المشهد العبثى الذى يشاهده العالم حاليا دون مشاركة فعالة، وآمنة تجاههم، أيضا قرار القيادة السياسية بوجود بعض القوات العسكرية بها، إنما رسالة مباشرة لجميع اللاعبين الإقليميين والدوليين بأن مصر لن تترك الأمور تسير كما يخططون لها، وهى فاعل رئيسى لا يمكن تهميشه!!، خاصة مع تصاعد «التهديدات الترامبيه»التى شملت كل دول المنطقة، وقراراته المتناقضة التى تعكس الشخصية الأمريكية «الكاوبوى » ودون النظر أو اعتبار للآخرين، وهو ما يتضح فى القرارات التى يصدرها بين الحين والآخر دون أى اعتبارات للقوانين والأعراف الدولية المنظمة للعلاقات بين الدول والقائمة على القوة فقط دون استخدام العقل، لأن أمريكا تستكمل مخططاتها على كافة المستويات لقيادة العالم فى الألفية الجديدة !.
إن إعلان ترامب فيما يتعلق بالدور السورى «الشرع» فى التعامل مع حزب الله اللبناني، بدلاً من إسرائيل، سوف يسهم فى خلق صراع عربى – عربى وطائفى فى نفس الوقت.
بالرصد للتصريحات «الترامبييه «وردود الفعل الإيرانية، وتحركاتهم نحوها بالتصعيد المقابل سواء من ناحية الحوثيين ناحية مضيق باب المندب، أو من ناحية مضيق هرمز فهما ورقتان رابحتان تلعب بهما إيران ضد العالم والإقليم الأمر الذى يستدعى تغيير النمط السائد بين دول الخليج فى التعامل مع تلك الأحداث المتلاحقة التى لن تترك أخضر ولا يابس إذا لم ينتبه القادة العرب، وفى القلب منهم «مصر العروبة»- هذا ما حذر منه الرئيس السيسى مبكراً، واستعدت له مصر حكومة وشعبا جيدا، وبالتالى مازال شعبهم ينعم بالأمن والاستقرار بعد أن عادت مصر لمكانتها التاريخية، تحدد مصير الشرق الأوسط للعقود القادمة.
ولكن ماذا عن إيران؟
ويرى العديد من المراقبين ان التنبؤ بمستقبل إيران لا يعنى المنظومة الحاكمة، بل يعنى إعادة صياغة أولوياتها؛ حيث يتوقع أن تشهد السنوات المقبلة صعود تيار التكنوقراط والتنمية إلى واجهة صنع القرار جيل جديد من القيادات الإيرانية التى ترى فى دمج إيران «بالمنظومة المالية العالمية» هى المعركة الحقيقية، بديلا عن السيطرة على العواصم الإقليمية.
وهذا التحول فى السلوك الإيرانى سيؤدى إلى ملامح شرق أوسط جديد عبر ثلاثة مسارات أساسية: أولاً: هو غياب الأذرع الإقليمية الإيرانية التى كانت تهدد دول المنطقة، وتحولها لأحزاب سياسية محلية، وعودة الدولة الوطنية.









