استهل السفير نبيل فهمى ظهوره الإعلامى الرسمى كأمين عام جديد لجامعة الدول العربية خلفاً لأمينها السابق السفير أحمد أبوالغيط، بعقد مؤتمر صحفى موسع يوم الإثنين الماضى بمقر الجامعة بالقاهرة، لشرح رؤيته لأهم القضايا العربية، ولدور الجامعة العربية حيالها، وما يتطلع إليه من ضرورة تطوير وتفعيل هذا الدور بما يعيد للجامعة قدرتها على التفاعل مع هذه القضايا، والمبادرة فى التعامل مع الأزمات الاقليمية.
وابتداءً، فإن السفير نبيل فهمى دبلوماسى قدير، وباحث اكاديمى مرموق فى الشئون العربية والعالمية، والده السفير إسماعيل فهمى أحد أبرز وزراء خارجية مصر السابقين، وتولى هو نفسه منصب وزير الخارجية ولكن لفترة محدودة وظروف بالغة الدقة لم تمنحه فرصة كافية لإثبات قدراته، أو لتعرف الرأى العام المصرى عليه والتفاعل معه.
ولذلك، فهو فى منصبه الجديد يختلف عن كل من سبقوه إليه.. هو يتيمز عنهم جميعاً بالجانب الأكاديمى البحثى فى شخصيته، لكن تنقصه سنوات الخبرة الطويلة التى قضوها فى قيادة الدبلوماسية المصرية كوزراء خارجية قبل أن يتولوا قيادة الدبلوماسية العربية كأمناء للجامعة العربية أمثال أبوالغيط وعمرو موسى ونبيل العربى وبقية السلسلة الذهبية من وزراء خارجية مصر.
وقد تكون هذه فرصة جيدة له لإظهار قدراته وتحقيق التفاعل بين عقليته الأكاديمية ومهاراته الدبلوماسية فى خدمة العمل العربى المشترك، وإن كانت هذه الفرصة تواجه تحدياً فى نفس الوقت يتعرض له كل من يتولى منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية بالذات، وهو «صعوبة أن يكون نفسه» رغم أن الزمن أمامه ممتد لخمس سنوات كاملة فى منصبه، لأن الواقع الذى يتعامل معه اكثر تعقيداً مما يتصور أحد.
دعونا نستكشف ما طرحه نبيل فهمى من رؤى وتصورات، وهو كثير، وأنا أنقل هنا عما نشرته «الجمهورية» عن المؤتمر الصحفى فى عدد الثلاثاء ــ أول أمس ــ ليس تحيزاً لصحيفتى ولكن لأن التغطية التى قامت بها الزميلتان سلوى عزب وأسماء عجلان كانت بحق، الأكثر تميزاً وتفصيلاً بين كل الصحف.
وأبدأ بما تحدث به نبيل فهمى عن القضية الفلسطينية، فقد وصفها بأنها «القضية العربية التى لا خلاف عليها، وأن حقوق الشعب الفلسطينى ومعاناته تحظى بإجمال عربى كامل، وستظل القضية فى مقدمة أولويات جامعة الدول العربية».
وقبل التعليق على هذه النقطة، أشير إلى ما أشار إليه أمين عام الجامعة العربية بنفسه فى المؤتمر وهو أنه كان يعتزم أن يكون أول تحرك له فى منصبه هو القيام بزيارة السلطة الفلسطينية فى رام الله، باعتبارها الممثل للشعب الفلسطني، والاجتماع بالرئيس محمود عباس، «إلا أن إسرائيل رفضت السماح بهذه الزيارة».
ورأيى أن هذه الواقعة، التى اصطدم بها السفير نبيل فهمى فى مستهل مشواره كأمين عام للجامعة العربية كافية تماماً لتلخيص الواقع الحقيقى للقضية الفلسطينية على الجانبين الإسرائيلى والعربى بعيدًا عن أى شعارات أو أوهام.
الأمين العام لجامعة الدول العربية، الذى يمثل رمزًا لاحدى وعشرين دولة عضوا، بينها فلسطين يحتاج لكى يزورها إلى إذن من سلطة الاحتلال، فترفض سلطة الاحتلال السماح له!! واقعية رمزية قاتلة، وإن كان الرد الإسرائيلى متوقعاً مسبقاً، وربما أراد الأمين العام أن يضع الجميع أمام الواقع المرير.
أعود إلى تشخيص الأمين العام للقضية الفلسطينية وأسأله:
هل القضية الفلسطينية ــ حقا ــ هى القضية العربية التى «لا خلاف عليها»؟!
وهل حقوق الشعب الفلسطينى ومعاناته «تحظى بإجماع عربى كامل» فعلاً؟!
وأتطوع بالاجابة وأقول: نعم هى كذلك، ولكن فقط على مستوى «التصريحات» الرسمية التى تصدر من العواصم العربية، وعلى مستوى «المقررات» التى تنتهى إليها مؤتمرات القمة العربية.
لكن هناك خلافا، واختلاف على مستوى الممارسة العملية، ومن خلال مواقف وتصرفات تطيح بحقوق الشعب الفلسطيني، وتشجع إسرائيل على الاستمرار فى طغيانها وتمددها فى الأراضى الفلسطينية المحتلة.
مثلاً: أين نحن الآن من الإجماع العربى السابق على المبادرة العربية التى نصت على التعامل مع إسرائيل بمبدأ: السلام الشامل مقابل التطبيع الكامل؟!.
و«السلام الشامل» ــ من منظور الإجماع العربى وقتها ــ يتحقق فقط بانهاء الاحتلال الإسرائيلى للأراضى العربية فى فلسطين وغيرها، والاعتراف بحق الشعب الفلسطينى فى اقامة دولته على أرضه.
أى أن التطبيع مع العدو له ثمن يجب أن يدفعه وهو فى المقدمة حقوق الشعب الفلسطيني.. فهل مازال هذا الإجماع قائما ومفعلاً؟!.
وهذه ليست مشكلة إسرائيل ولا مشكلة أمريكا، ولكنها مشكلتنا نحن العرب بالدرجة الأولى لأنها قضيتنا واحدى محددات وجودنا.
فنحن مستمرون فى التراجع عن مواقفنا خطوة بعد خطوة، وكل تراجع يترك فراغاً، وكل فراغ تتركه تتقدم إسرائيل سريعاً ملئه.
وإسرائيل لا تكتفى ببناء قوتها وتمددها وتطلعاتها بما تقدمه لها ــ طوعاً أو كرهاً ــ من هدايا بل وأمام العالم كله، ومنذ لحظة وجودها كدولة على الأرض الفلسطينية ــ بدعم أمريكى مباشر، ومتصل، وفى كل المجالات، وعلى مختلف المستويات، وفى سائر الحالات سلماً كانت أم حرباً، بما فى ذلك أطماعها المستقبلية، فى أراضى بقية دول الجوار العربية لبناء دولة اسرائيل الكبري.
وهناك مثل يقول: صديق عدوى.. عدوى.
لكننا للأسف، لا نعترف بهذا المثل، ولا نعمل به، بل بعسكه تماماً.
أمريكا هى الآن الشريك الاستراتيجى الأول لمعظم الدول العربية التى سعت إلى هذه الشراكة من منطلق ما تسميه «المصلحة الوطنية» رغم أنه لا مصلحة حقيقة، وطنية أم قومية فى أن تكون شريكًا استراتيجيًا للحليف الاستراتيجى الأول لعدوه.
ربما نتوهم أحيانا أننا قد نستطيع من خلال هذه الشراكة التأثير على أمريكا وفتح ثغرة ولو بسيطة فى جدار تحالفها مع اسرائيل أو تحالف اسرائيل معها، يمكن أن تفيدنا أو تفيد القضية الفلسطينية
لكن حتى الآن ومع تزايد دول الشراكة الاستراتيجية العربية مع امريكا، لم تظهر بادرة واحدة تشى بنجاحنا فى ذلك رغم جهد مصرى وخليجى كبير يبذل لتحقيق ذلك.
واكتفى بذلك اليوم.. وللحديث بقية.









