مرة أخرى نتحدث عن التعليم فى مصر بين تحديات العصر والحفاظ على الهوية قراءة فى قرار اشتراط نسبة نجاح 70 ٪ فى اللغة العربية والتربية الدينية.
يعد التعليم الركيزة الأساسية التى تقوم عليها الأمم فهو ليس مجرد عملية لنقل المعارف والمعلومات من جيل إلى آخر بل هو مشروع وطنى متكامل يهدف إلى بناء الإنسان القادر على صناعة المستقبل والحفاظ على هوية وطنه والدفاع عن قيمه وثوابته وقد أدركت الدول المتقدمة منذ زمن بعيد أن الاستثمار الحقيقى لا يكون فى الثروات الطبيعية فحسب وإنما فى الإنسان الواعى المثقف القادر على الجمع بين العلم والأخلاق والانتماء.
وفى مصر التى تمتلك واحدة من أعرق الحضارات الإنسانية يواجه التعليم تحديات جسيمة فرضتها المتغيرات العالمية المتسارعة والانفتاح الثقافى غير المسبوق وهيمنة اللغات الأجنبية على قطاعات واسعة من المجتمع الأمر الذى أثار مخاوف حقيقية بشأن تراجع مكانة اللغة العربية وضعف الارتباط بالهوية الوطنية والقيم المجتمعية الأصيلة.
ومن هذا المنطلق جاء القرار الخاص باشتراط حصول الطالب على نسبة نجاح لا تقل عن 70 ٪ فى مادتى اللغة العربية والتربية الدينية ليعكس رؤية وطنية تستهدف إعادة اعتبار لهاتين المادتين وترسيخ مكانتهما باعتبارهما حجر الأساس فى تشكيل شخصية الطالب المصرى.
فاللغة العربية ليست مجرد مادة دراسية تضاف إلى المجموع أو تستبعد منه وإنما هى لغة القرآن الكريم ولسان الحضارة العربية والإسلامية والوعاء الذى يحمل تاريخ الأمة وتراثها الفكرى والثقافى إنها اللغة التى صاغت وجدان المصريين عبر قرون طويلة وحملت إبداعات العلماء والأدباء والمفكرين الذين أثروا الحضارة الإنسانية بعطائهم.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعاً ملحوظاً فى مستوى اللغة العربية لدى أعداد كبيرة من الطلاب خاصة فى بعض المؤسسات التعليمية التى أولت اهتماماً مفرطًًا باللغات الأجنبية على حساب اللغة الأم حتى أصبح من المألوف أن يجد المجتمع خريجين غير قادرين على كتابة فقرة سليمة باللغة العربية أو التعبير عن أفكارهم بلغة صحيحة وهو أمر يثير القلق ويدق ناقوس الخطر.
إن الأمة التى تفرط فى لغتها. تفرط فى هويتها والشعب الذى يضعف ارتباطه بلغته.. ليصبح أكثر عرضة للاغتراب الثقافى والانفصال عن جذوره الحضارية ولذلك فإن رفع مستوى النجاح المطلوب فى اللغة العربية ليس إجراء إدارياً فحسب بل هو إعلان واضح بأن الحفاظ على اللغة القومية أمن قومى وثقافى لا تقل أهمية عن قضية إستراتيجية أخرى.
أما التربية الدينية فهى ليست مادة لحفظ أو اجتياز الامتحان فقط وإنما تمثل المدرسة الأولى لغرس القيم والأخلاق والفضائل الإنسانية.
فالمجتمع لا ينهض بالعلم وحده بل تحتاج كذلك إلى منظومة أخلاقية راسخة تحكم السلوك الإنسانى وتؤسس المبادئ للصدق والأمانة والانضباط واحترام الآخر وتحمل المسئولية.
وفى زمن تتزايد فيه التحديات الفكرية والسلوكية وتتعرض فيه الأجيال الجديدة لتأثيرات ثقافية متباينة عبر وسائل التواصل الاجتماعى تصبح الحاجة ملحة إلى ترسيخ القيم الدينية السمحة التى تدعو إلى التسامح والعمل والإخلاص والانتماء للوطن.
إن اشتراط نسبة نجاح مرتفعة فى مادة التربية الدينية لا ينبغى النظر إليه باعتباره عبئًا إضافياً على الطلاب بل باعتباره استثماراً فى بناء الإنسان المصرى المتوازن القادر على التمييز بين الصواب والخطأ المتمسك بقيمه الدينية والوطنية والإنسانية.
ومع ذلك نجاح هذه الرؤية يتطلب أن يصاحبها تطوير شامل للمنظومة التعليمية ورفع نسب النجاح أو تشديد معايير التقييم.









