أعشق التاريخ.. فهو بالنسبة لى حياة.. ليس فقط دروساً وعظات.. إنما أعظم ما عرفته البشرية.. من مدارس.. إنه مدرسة الحياة.. ومن لا يقرأ التاريخ ينقصه الكثير والكثير.. إننى أمام قصة غرام فريدة من نوعها.. غرام الخديو إسماعيل.. بباريس.. وفيها دق قلبه لزميلة الدراسة أوجيني.. التى أصبحت إمبراطورة فرنسا.. بعد ذلك.. وفى رأيى أن كل حب أو غرام له ثمار أو نتائج.. فما بالنا بالعشق.. وهذا الغرام.. هو جزء من تاريخ مصر.. والمؤلفات التى كتبت عن تاريخ مصر.. لا حصر لها.. وأنا هنا.. أنتقى أو ألتقط ما كتب عن الخديو إسماعيل.. الذى وصفه الكاتب الفرنسى المشهور روبير سوليه.. بأنه إسماعيل العظيم.. ونشرت جريدة جورنال دى كير إحدى أهم الصحف اليومية الناطقة بالفرنسية.. فى عام 1910.. «أى بعد وفاته بكثير» قوله: نحن قطعة من أوروبا.. والقاهرة ستتحول إلى باريس الشرق.. وبالفعل جاء ثمار غرام الخديو.. بناء القاهرة الخديوية.. وقد كتب قنصل فرنسا فى ذلك الوقت.. أن الخديو إسماعيل يتقارب كثيرًا مع فرنسا ويفعل كل شيء من أجل نقل عادات وممارسات أوروبا.. وأنه يعمل بكل جد وإتقان.. لنقل كل ما رآه فى باريس إلى القاهرة.. كما أحدث تغيرات كبيرة فى أسلوب حياة الأسرة الحاكمة.. وأيضا معيشتهم داخل القصور بما يتفق وما رآه فى باريس.. حتى فى الصحافة.. فقد صدر فى عهده جريدة أبو نضارة لصاحبها يعقوب صنوع.. وهو يهودى مصري.. نقد سياسة الخديو إسماعيل بعنف.. دون أية مساءلة.. وهو ما يؤكد أن مصر.. عرفت حرية الصحافة منذ عام 1780.. والأكثر من ذلك.. أن غرام الخديو.. امتد إلى الثقافة الفرنسية.. حيث أقام فى عام 1869.. أول مسرح فى مصر.. وتم احضار كراسى الأوركسترا من باريس وكذلك الستار أيضاً من باريس.. وتم عرض مسرحية هيلين الجميلة.. وامتد ثمار هذا الغرام إلى التعليم.. فأنشأ الخديو العديد من المدارس الفرنسية.. مثل الراعى الصالح والراهبات والفرنسيسكان والجوزويت.. وأرسل ولديه: حسين وحسن إلى أوروبا ليتعلما فى مدارسها «حسين إلى باريس وحسن إلى إنجلترا».. وأصبح حسين سلطان مصر.. فيما بعد.. وأمر الخديو.. بالعناية بدراسة التاريخ بعمق والعلوم الطبيعية والرياضيات.. انظروا.. كيف كان اهتمام الخديو إسماعيل بدراسة أهم العلوم الدراسية فى عام 1868!! فقد كان مؤمناً بدور التعليم فى نهضة الأمة.. فقد اصبحت المدارس الفرنسية تضم 25 ألف تلميذ.. والفرير 6 آلاف تلميذ تليها الجوزويت والفرنسيسكان.. وما زال الناس يتندرون بمستوى تعليم هؤلاء التلاميذ!! وظهر ذلك بوضوح فى خريجى ليسيه الإسكندرية وفرير المنصورة.. وأدخل إسماعيل أول إصلاح قضائى بالمحاكم المختلطة.. مطبقاً القانون الفرنسى.. وتقفز أمامى قصة حب الخديو إسماعيل لأوجينى إمبراطورة فرنسا.. منذ أن كانت تدرس معه فى الجامعة الفرنسية.. من هنا أقول.. إن الحب الحقيقى لا يموت.. لكنه يتجدد.. كما حدث مع إسماعيل وأوجيني.. ويثمر هذا الحب عن حفل أسطورى لافتتاح القناة.. على أن تكون أوجينى ضيف الشرف.. حضر الحفل إلى جانب أوجيني.. إمبراطور النمسا وولى عهد بروسيا وأمير وأميرة هولندا وأمير هانوفر والأمير عبدالكريم.. ومعهم 900 من العلماء والفنانين والكتاب والصحفيين.. وكان الوفد الفرنسى الأكثر عددًا «275 شخصًا».. حضرت أوجينى ومعها 30 خادمًا وكوافير البلاط.. واستقبلها الخديو فى ميناء الإسكندرية.. ومنها للقاهرة فى قطار خاص.. وأعربت أوجينى عن رغبتها فى حضور حفل زفاف مصر.. وأقام لها الخديو حفل زواج مستعاراً من تأليفه فى قصر الملكة الأم يوم 24 أكتوبر.. وقام الخديو برصف الشارع المؤدى للأهرامات من فندق الماريوت الذى تم أقامته خصيصا لإقامة أوجيني.. ورافقها حتى مدينة أسيوط ثم تولى الأمير حسين تلبية طلبات أوجينى أثناء باقى الرحلة.. وأهداها الخديو هدية مصنوعة من الذهب ومرصعة بالياقوت الأحمر.. ويموت إسماعيل فى 2 مارس 1895 عن عمر 65 عاما فى تركيا.. ويدفن فى مسجد الرفاعى بالقاهرة.. وظلت أوجينى وفية للعهد.. حتى بعد أن زال عنها وعن إسماعيل العرش.. فها هى امرأة فى ملابس سوداء.. تزور مصر سنويًا وهى متخفية.. تتحرك بصعوبة.. تلتقى بمن بقى من أسرة الخديو إسماعيل.. وتزور قبره.. حتى وفاتها عن عمر 94عامًا فى يوليو 1930.. إنه ثمار الغرام.. الذى لا يتوقف ما دام فى العمر بقية.









