فى كل عصر يولد وسيط إعلامى جديد يزاحم ما قبله، لكن ما نشهده اليوم ليس مجرد ظهور وسيلة إضافية، بل تحول عميق فى فلسفة الاتصال ذاتها. فالبودكاست والإعلام الرقمى لم يأتيا ليكونا ضيفين على المشهد الإعلامى، وإنما جاءا ليعيدا صياغته من جذوره.
قبل سنوات قليلة، كان المشاهد يجلس أمام شاشة التليفزيون منتظرًا موعد برنامجه المفضل، أما اليوم فقد أصبح هو من يختار ماذا يشاهد، ومتى يشاهد، ومن يسمع، وكم من الوقت يمنحه. انتقلت السلطة من المؤسسة إلى الجمهور، ومن المذيع إلى المتلقى، ومن البث الأحادى إلى التفاعل الحر.
لهذا تتسارع وتيرة انتشار البودكاست بصورة لافتة. بعضه يقدم معرفة حقيقية، وأفكارًا جديدة، ونقاشات عميقة تتجاوز قيود الزمن والشاشة، وبعضه الآخر لا يعدو أن يكون جلسات لاستدعاء الذكريات أو سرد الشهادات والنوستالجيا «الحنين للماضى» هروبًا من الحاضر وعجزًا عن استشراف المستقبل. ومع ذلك، فإن الجميع وجدوا فى هذه المساحة الرقمية أرضًا مفتوحة للتعبير، لا حراس على بواباتها ولا قوائم انتظار أمام استوديوهاتها.
ولعل أكثر ما يلفت النظر أن كثيرًا من مقدمى البودكاست يتنقلون بين مقعد المذيع ومقعد الضيف حتى تختلط الأدوار أحيانًا، فلا تدرى من يسأل ومن يجيب. لكنها فى النهاية فوضى خلاقة فرضها عصر جديد، عصر لم يعد يعترف بالهرميات الإعلامية القديمة.
السؤال الذى يفرض نفسه: هل يسحب البودكاست البساط من تحت أقدام الإعلام التقليدى؟
الواقع يقول إن الفضائيات لن تختفى غدًا، لكنها فقدت بالفعل احتكارها للجمهور. لقد أصاب كثيرًا منها الترهل والجمود، وتحولت برامج عديدة إلى مونولوجات طويلة تحمل أسماء مقدميها أكثر مما تحمل روح الحوار. وغابت عنها التعددية، وتراجع فيها الإبداع، وأصبحت بعض الشاشات تدور حول الأشخاص لا حول الأفكار.
الأخطر من ذلك أن جزءًا من الإعلام التقليدى أسهم بنفسه فى هجرة جمهوره. فحين امتلأت بعض الشاشات بالشتام والزاعق والطبال ومن يأكل على كل الموائد، ومن يبدل مواقفه كما يبدل ثيابه، فقد الناس ثقتهم فيها. لم يعد الجمهور يبحث عن الصوت الأعلى، بل عن الصوت الأصدق. ولم يعد ينجذب إلى من يصرخ أكثر، بل إلى من يفكر أكثر.
من هنا كانت الهجرة الكبرى نحو المنصات الرقمية والبودكاست. فالجمهور الذى ضاق ذرعًا بالوصاية الإعلامية وجد نفسه أمام فضاء رحب يستطيع فيه أن يستمع إلى من يريد، وأن يقاطع من يريد، وأن يناقش ويعلق ويشارك ويصنع محتواه بنفسه.
هل يأتى يوم نشهد فيه غلق فضائيات وتسريح إعلاميين؟
ليس مستبعدًا. فالتاريخ يعلمنا أن الوسائل الإعلامية التى تفقد جمهورها تفقد مبرر وجودها الاقتصادي. وما قيمة استوديوهات بملايين الجنيهات إذا كان الهاتف المحمول فى يد شاب عشرينى قادرًا على اجتذاب جمهور أكبر وتأثير أوسع وكلفة أقل؟
لقد أطاحت الثورة الرقمية بنظريات إعلامية ظلت لعقود تبدو راسخة؛ فسقطت فكرة حارس البوابة بعدما أصبح كل فرد بوابة إعلامية مستقلة، واهتزت نظرية ترتيب الأولويات بعدما بات مستخدم الهاتف الذكى قادرًا على صناعة أجندته الخاصة، وتغير مفهوم الرأى العام نفسه بعد أن أصبح الجمهور منتجًا للمحتوى لا مجرد مستهلك له.
لكن الخطر يكمن فى أن يتحول الانتشار الكاسح للبودكاست إلى عشوائية إعلامية؛ منصات بلا معايير، ومحتويات بلا مسئولية، وأصوات بلا تأهيل، فتغدو بعض المنصات أشبه بـ»تكاتك إعلامية» تسير بلا إشارات مرور ولا قواعد مهنية.
المستقبل إذن ليس موتًا كاملًا للفضائيات ولا انتصارًا مطلقًا للبودكاست، بل إعادة فرز قاسية. ستبقى المؤسسات القادرة على التجدد، وتختفى المؤسسات التى أصرت على البقاء فى الماضي. وسيبقى الإعلامى الذى يحترم عقل جمهوره، بينما سيتوارى من اعتبر المشاهد مجرد متلقٍ ساذج أو منصة لتصفيق مجانى.
لقد دخلنا عصرًا جديدًا لا ينتصر فيه صاحب المنبر الأكبر، بل صاحب الفكرة الأفضل. وفى زمن البودكاست والإعلام الرقمى لم يعد السؤال: كيف نجذب الجمهور؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف نستحق أن يبقى معنا الجمهور أصلاً؟









