«وقد أصبحنا فى النهاية صديقين حميميين، ولم تكن هناك مناسبة واحدة شكوت فيها من عدم إخلاصه».. جولدا تتحدث باعتراف صريح عن علاقاتها الوطيدة بوزير جيش الدفاع، موشيه دايان، رغم اختلاف تركيبة شخصية كل منهما، وأيضاًً رغم معارضته لتوليها رئاسة الوزراء بعد أشكول، إلا أن فى هذا التقرير بالتصريح المعنى بإخلاص موشيه دايانلجولدا، وهو الإخلاص المطلق الذى أكدته جولدا بذكرها لمفردة»واحدة» فحتى الاستثناء فى إخلاص وزير الدفاع تحت أى مبرر غير موجود على الإطلاق، وبالتالى فى هذا الاعتراف بمسئولية جولدا العسكرية تجاه «هزيمة كيبور» فلا قرار اتخذه وزير الدفاع دون الرجوع إليها، فضلاً عن مسئوليتها السياسية أيضاً.
«لكننى ما كنت أخالفه فى أحد أفكاره حتى يصرف النظر عنها».. وهنا الاعتراف التالى وكما يقولون فى علم النفس الجنائى «الاعتراف بالتكرار» وعلم النفس الجنائى هو فرع تطبيقى من علم النفس يدرس العوامل والدوافع النفسية وراء السلوك الإجرامى ويهدف لفهم شخصية المجرم، وكما جاء عن ذلك فى كتاب «علم النفس الجنائي» الصادر عن دار غريب تأليف: د.محمد شحاتة ربيع، د.جمعة سيد يوسف، د.معتز سيد عبدالله، ويعد من أهم المراجع العربية الأكاديمية التى تربط بين علم النفس والقانون، ويفسر النظريات السلوكية ويصنف المجرمون.
وما تشير إليه أدبيات مناهج البحث باختبار «الثبات والصدق» ومنهم كتاب «تحليل المضمون فى الدراسات الإعلامية» للأستاذة الدكتورة عواطف عبدالرحمن والدكتورة نادية سالم والدكتورة ليلى عبدالمجيد عن دار الناشر العربى للنشر والتوزيع، والذى يشير إلى أن تكرار الفكرة وتعبيراتها بمفردات متطابقة أو متقاربة يعنى ثبات «المصدر» وصدقه فيما يقوله ويعلنه، ومن هنا يتأكد للقارئ من جديد مسئولية جولدا مائير عن هزيمة الكيان الوظيفى وجيش الدفاع فى حربه ضد المصريين، فلم يكن وزير الدفاع وحده هو المسئول عن هزيمة كيبور، إذ أن جولدا نفسها تكرر بصياغات متعددة وليست مختلفة المعنى بأن موشيه لم يخالفها الرأى على الإطلاق كما أنه لم يتخذ موقفاً تجاه أمر ما دون الرجوع إليها، وبالطبع ما يهمنا بالتحليل والتفسير هنا هو نتيجة حرب أكتوبر التى آلت إلى «هزيمة كيبور».
«فإذا وضعنا فى اعتبارنا ما عرف عن دايان من أنه لا يستطيع العمل كجزء من فريق، وما عرف عنى أننى لا أصل إلى حلول وسط بسهولة، فلأننى أعتقد أننا بشكل عام قد نجحنا».. وهذا التحليل الدقيق لكل الشخصيتين من جانب جولدا عنها وعن موشيه دايان، ورغم تفسيرهخا الدقيق بالتعارض بينهما ـ كليةـ إلا أنها قد توصلت فى النهاية إلى النجاح المشترك بينها وبين موشيه دايان فى العمل بتناغم وتوافق، وبغض النظر عن أن «النجاح» تلك المفردة التى لم تأتى إلا فى سياق العمل المشترك ، لكنها أثمرت فى النهاية عن «هزيمة كيبور» وتلك المسئولية المشتركة أيضاً فى الهزيمة.
تعود جولدا إلى رغبتها فى عدم الإسراف فى تأكيد مشاركتها الهزيمة مع موشيه دايان، فتذكر فى سياق اعترافاتها فى ذات الفصل الرابع عشر «الهزيمة» عن صور تعبرعنها بدقة بلاغية متناهية حتى تترك للتاريخ وللأجيال التالية ملامح الهزيمة القاسية التى ارتسمت على وجه موشيه دايان بل وانطبعت مرارة الهزيمة على تصرفاته وشخصيته بشكل عام، فتعترف»فلقد شاهدته وهو يعود ممزقاً من تلك الجنازات المؤلمة بعد الحرب، عندما كانت النساء يدفعن أطفالهن فى وجهه صارخات: أنت قتلت آباهم».. تلك الصورة الدقيقة عن نتيجة حرب يوم الغفران أو كيبور ترسمها جولدا باجتهاد لا نظير له فى الدقة لتصور واقع الحال لوزير جيش الدفاع، وكأنها تضعه أمام مسئوليته الحقيقية بالهزيمة فيمواجهة الأمهات الثكلى والزوجات المترملات والأطفال اليتامي.
الكثير من مرارة الاعتراف سيأتى ذكره تاليًا إن شاء الله.









