أصدرت الهيئة الوطنية للصحافة – اليوم – كتابًا توثيقيًا بعنوان «رجل الأقدار: سيرة قائد.. ومسيرة وطن»، جاء الكتاب فى جزئين يتحدث الأول منهما عن الجانب الشخصى الإنسانى فى حياة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى حين يتناول الجزء الثانى حياة الإنسان المصرى فى ظل قيادة الرئيس.. الكتاب القيم صدر فى طبعة شعبية لتكون فى متناول الجميع.
و حين يصدر كتاب يحمل هذا العنوان قد يتوقع القارئ أنه أمام سيرة ذاتية تقليدية، أو محاولة لتوثيق رحلة شخصية من الميلاد إلى المنصب.. غير أن هذا العمل، فى جزأيه، يتجاوز هذا الإطار إلى مساحة أوسع، فيجعل من السيرة مدخلاً لقراءة مرحلة كاملة من تاريخ الدولة المصرية، عقد كامل من عمر الوطن، ومن شخصية القائد، نافذة لفهم مشروع وطنى أعاد صياغة أولويات الدولة بعد سنوات جد عصيبة.
الكتاب، الذى شارك فى كتابته نخبة من السياسيين والمفكرين والكتاب والصحفيين، لا ينظر إلى السنوات التى أعقبت عام 2013 باعتبارها مجرد تعاقب للأحداث، بل باعتبارها مرحلة تأسيس للجمهورية الجديدة، سنوات عشر شهدت إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحديث بنيتها التشريعية، وإطلاق رؤية تنموية شاملة، استهدفت استعادة قدرة الدولة على التخطيط والتنفيذ، بالتوازى مع ترسيخ دعائم الاستقرار.
ومن هنا، لا ينفصل الجزء الأول من الكتاب عن الجزء الثاني، فالأول يضع القارئ أمام المواطن المصرى عبدالفتاح السيسى «الإنسان»، الذى تشكلت شخصيته فى بيئة مصرية أصيلة، تجمع بين التدين الوسطى، واحترام العمل، والانضباط، والاندماج فى مجتمعه، بينما ينتقل الجزء الثانى بأريحية إلى قراءة انعكاس هذه المنظومة القيمية على أسلوب القائد فى إدارة الدولة، وكيف تحول مخزونه القيمى إلى سياسات ومشروعات ومبادرات امتدت إلى مختلف القطاعات.
ويحسب للكتاب أنه لا يكتفى بسرد الوقائع، بل يحاول تفسيرها، فيربط بين النشأة والقرار، وبين التجربة الشخصية والرؤية السياسية، ليقدم صورة متكاملة لمسار قيادة واجهت تحديات داخلية وإقليمية ودولية بالغة التعقيد، واضعة نصب أعينها هدفاً رئيسياً هو استعادة قوة الدولة المصرية ومؤسساتها.
ويبرز الكتاب فكرة تأسيسية حكمت الكتاب، أن إعادة البناء لم تبدأ بالمشروعات العملاقة، وإنما بدأت بإعادة تأسيس الإطار الدستورى والتشريعى للدولة، باعتبار أن التنمية الحقيقية تحتاج إلى منظومة قانونية حديثة، قادرة على مواكبة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية. ومن هذا المنطلق يستعرض الكتاب عشرات القوانين التى صدرت خلال السنوات الأخيرة، فى مجالات الاستثمار، والصناعة، والصحة، والتعليم، والإدارة، باعتبارها جزءاً من عملية إصلاح مؤسسى شاملة، ثورة تشريعية وليست مجرد تعديلات قانونية متفرقة، ثورة أنها حقبة من القوانين الاستثنائية فرضتها تحديات جسام.
وفى المجال الاقتصادي، يقدم الكتاب رؤية تعتبر أن الإصلاح الاقتصادى لم يكن خياراً ترفياً، وإنما ضرورة فرضتها ظروف الدولة، وأن نجاحه ارتبط فى الوقت نفسه بإطلاق شبكة واسعة من برامج الحماية الاجتماعية، حتى لا يتحمل محدودو الدخل وحدهم كلفة الإصلاح. ومن هنا تأتى مبادرات مثل «حياة كريمة» لتجسد فلسفة تنموية تقوم على تحسين جودة الحياة، وتطوير الريف، والارتقاء بالخدمات الأساسية، باعتبار أن التنمية لا تكتمل إلا بوصول ثمارها إلى جميع المواطنين.
ويخصص الكتاب مساحة مهمة لقضية المواطنة، بوصفها إحدى الركائز الأساسية للجمهورية الجديدة، متوقفاً عند التشريعات والإجراءات التى هدفت إلى ترسيخ المساواة بين المواطنين، وتعزيز حرية ممارسة الشعائر الدينية، وتقنين أوضاع الكنائس، وتوسيع المشاركة فى الحياة العامة، انطلاقاً من أن وحدة المجتمع تمثل أحد أهم عناصر قوة الدولة.
كما يرصد التحولات التى شهدتها قطاعات الصحة والتعليم، من خلال تطوير البنية الصحية، وتطبيق منظومة التأمين الصحى الشامل، وإطلاق المبادرات الرئاسية للكشف المبكر عن الأمراض، إلى جانب تحديث منظومة التعليم، وإنشاء الجامعات التكنولوجية والأهلية، وربط العملية التعليمية باحتياجات سوق العمل، باعتبار أن الاستثمار فى الإنسان يمثل الأساس الحقيقى لأى نهضة مستدامة.
ولا يغفل الكتاب التحول الرقمي، وتطوير الجهاز الإداري، وتمكين المرأة، وإعداد الشباب، باعتبارها جميعاً مكونات متكاملة لمشروع تحديث الدولة، وليست ملفات منفصلة. كما يتناول السياسة الخارجية المصرية بوصفها امتداداً طبيعياً لهذا المشروع، حيث ارتبط تعزيز الدور الإقليمى والدولى لمصر بتعزيز قوة الدولة فى الداخل، وترسيخ الاستقرار، وتنويع الشراكات الاقتصادية والسياسية.
ومن الجوانب اللافتة فى الكتاب تعدد الأصوات المشاركة فيه، إذ لا يقدم رؤية فردية، وإنما يضم شهادات ومقالات وتحليلات لعدد من الشخصيات العامة والكتاب، وهو ما يمنحه طابعاً توثيقياً ثرياً، ويتيح للقارئ الاطلاع على أكثر من زاوية فى قراءة الأحداث والتحولات التى شهدتها مصر خلال العقد الأخير.
ورغم الطابع التوثيقى الغالب على الكتاب، فإنه يحافظ على لغة سلسة، ويبتعد عن الجفاف الأكاديمي، جامعاً بين السرد والتحليل، وبين المعلومة والرؤية، وهو ما يجعله مهضوماً من ذائقة عموم المصريين، كما يمثل مرجعاً مهماً للباحثين والمهتمين بالشأن المصرى المعاصر، وثيقة فى سردية وطنية.
وفى تقديري، فإن القيمة الحقيقية لـ «رجل الأقدار» لا تكمن فقط فى توثيق سيرة قائد، وإنما فى محاولته قراءة مشروع دولة. فهو ينظر إلى الأحداث باعتبارها حلقات فى مسار واحد، يبدأ بإعادة بناء الإنسان، ويمر بإصلاح المؤسسات، وينتهى بإطلاق مشروع تنموى شامل، يطمح إلى ترسيخ أسس الجمهورية الجديدة.
وهكذا، ينجح الكتاب فى أن يقدم للقارئ أكثر من سيرة، وأكثر من وثيقة، وأكثر من شهادة.. إنه قراءة لمرحلة تاريخية لا تزال فصولها تُكتب، ومحاولة لفهم الكيفية التى انتقلت بها الدولة المصرية من مواجهة تحديات الوجود والاستقرار إلى الانشغال ببناء المستقبل. ومن هذه الزاوية، يصبح «رجل الأقدار.. سيرة قائد.. مسيرة وطن» إضافة مهمة إلى المكتبة السياسية والتوثيقية المصرية، لأنه لا يكتفى برواية الأحداث، بل يسعى إلى تفسيرها ووضعها فى سياقها الوطنى الأشمل.









