أنا مصر.. بلد الكل، مَن منهم يريدني جزءًا من كل؟ مَن يستهدف تغيير طبيعة شخصيتي التي أوجزها العالم والفيلسوف “جمال حمدان” في كتابه الخالد “شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان”؟ مَن يريد ويحاول التآمر ويعقد اتفاقًا بليلٍ حتى لا يطلع نهارٌ على مصر؟ من أجل سؤالكِ يا مصر كانت 30 يونيو.
بدأت بوادر 30 يونيو باحتجاجٍ شعبيٍّ واسع النطاق على نهجٍ بدا مغرضًا ومتسرعًا ونهمًا في الاستحواذ على السلطة، وتهيئة الأجواء على نحوٍ عاجلٍ لفرض التمكين الذي ينذر بخطرٍ جسيمٍ على الشخصية المصرية التي عرفها التاريخ قائدةً لا تابعة، متسامحةً لا مستسلمة، متحضرةً لا جاهلية، تعدديةً ومنفتحةً على العالم لا عنصريةً أو انعزالية. لم يعد الأمر يحتاج إلى تحليلات أولئك الذين يظنون أنفسهم عارفين ببواطن الأمور، ويطلون على شاشات الفضائيات؛ ليقدموا مبرراتهم وحججهم في بيان الأمر على نحوٍ يدعو إلى التمهل وانتظار نتائج ما يُخطَّط له، وكانت الظروف آنذاك تستبق خطوات التفاؤل أو التشاؤم المسيطرة على الشارع المصري، كان لا بد من لحظةٍ فاصلةٍ أو قاطعةٍ تجيب عن سؤال مصر المؤلم: مَن يريدني جزءًا من كل؟
جاءت 30 يونيو لتصنع علامةً فارقة بين حاضرٍ يعود إلى الوراء في مواجهة مستقبلٍ ينشد الأمل والحياة. لم تعد الحشود السابقة على 30 يونيو بأطيافها الغريبة والمريبة في بحثها عن مكاسب وقتية متباينة قادرةً على صنع شيءٍ أو إمكانيةٍ لحلٍّ حاسم، بقدر ما كانت تعبيرًا عن أزمةٍ آخذةٍ في التفاقم ويستشعرها كل مصري، بدا غريبًا في وطنه، وبين أهله وفقًا لتصنيفٍ يدرج الوطن في آخر قائمة الانتماء.
في 30 يونيو أصدرت الجماهير الغفيرة المحتشدة بالملايين في كل ربوع مصر أمرًا واجب النفاذ إلى جيشها الوطني بحماية الخروج الحاشد، عن وعيٍ باللحظة وإدراكٍ لأهمية الخروج الثائر على محاولة تغيير الطبيعة الشخصية المصرية الراسخة التي ما عادت تحتمل هذا النوع من الألعاب السياسية المقيتة.. كانت الرسالة البليغة في 30 يونيو موجهةً من الجماهير على نحوٍ بسيطٍ وعفويٍّ: أن لدينا من الأبناء والإخوة والأهل في جيشنا الوطني ما يحمي خروجنا من أجل استعادة الوطن أو الكل.
لم يكن مطلب الجماهير من جيشنا جديدًا من نوعه، بل عبر التاريخ الحديث تم تبادل الأدوار؛ فعندما تقدم الجيش للإنقاذ في 1952 أحاطه الشعب بالتأييد والحماية، ولتتحول عملية الإنقاذ إلى ثورةٍ مجتمعيةٍ أبانت عن ملامحها سريعًا. وفي 30 يونيو خرج الشعب فكان لزامًا أن يتحرك الجيش ليؤمن عودته في ظل ترهيبٍ ووعيدٍ معلنٍ وصريحٍ بمواجهةٍ داميةٍ ممن قرروا تقزيم حجم الوطن “الكل” واختصاره في مجرد إمارةٍ في نظامٍ عفا عليه الزمن وتجاوزه العصر الحديث أو الدولة الحديثة.. إننا أمام هويةٍ تاريخيةٍ لوطنٍ تحتاج إلى إعادة التعريف من جديد في مواجهة تلك المحاولات لاقتلاع جذور هذه الهوية الخاصة جدًّا، ومن هنا كان ضروريًّا أن يلتحم الشعب والجيش كيانًا واحدًا من أجل التغيير في 30 يونيو.









