لا شك أن هناك دوراً أساسياً للمؤسسات الدينية سواء الإسلامية أو المسيحية فى التعامل مع جيل زد وهو الجيل الذى ولد خلال الفترة من عام 1997 وحتى 2011 والذين تتراوح أعمارهم حالياً ما بين 15 إلى 29 عاماً والذى يمثل نحو 25.6 ٪ من إجمالى السكان فى مصر وهى نسبة كبيرة يجب الإهتمام بها خاصة أنها تمتلك خبرة كبيرة فى مجال استخدام التكنولوجيا والقدرة على التعامل مع المواقع والتطبيقات والمنصات الرقمية بسلاسة وسرعة والوصول اللا محدود إلى مصادر التعلم الذاتى والمعرفة الفورية بالاضافة إلى العديد من الخصائص الأخرى من أهمها وأخطرها الميل إلى الاستقلالية ورفض الأوامر والقدرة على التعبير عن الرأى مع الميل لفرض الرأى دون صدام مباشر ويؤمن بالمساواة والعدالة والشفافية…. وفى المقابل فهذا الجيل أكثر عرضة للضغوط النفسية الناجمة عن المقارنات الاجتماعية المستمرة على المنصات الرقمية وإرتفاع معدلات القلق والعزلة نتيجة الضغوط الإقتصادية والاجتماعية والتأثر بمحاولات التسلل إلى أفكارهم لتشكيل اتجاهات وأنماط سلوكية قد تتعارض مع توجهات الدولة من خلال زعزعة الثقة فى مؤسساتها وتوجيه وتزييف الوعى الجمعي.
لكل هذه الأسباب وغيرها جاء اهتمام السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى بهذا الجيل من خلال ضرورة وضع برنامج تدريبى متكامل للأئمة التابعين لوزارة الأوقاف لصقلهم علمياً وثقافياً وسلوكياً بالتعاون مع مؤسسات الدولة الوطنية وعلى رأسها الأكاديمية العسكرية المصرية بهدف الإرتقاء بمستوى الأداء الدعوى وتعزيز أدوات التواصل مع المجتمع بصفة عامة وبهذه الفئة العمرية بصفة خاصة ليكون الإمام نبراساً للوعى متمكناً من البيان بارعاً فى الإقناع أميناً فى النقل حاضراً بوعى نافذ وإدراك عميق بمختلف القضايا الفكرية والتحديات الراهنة.
من هذا المنطلق جاءت مشاركة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى فى حفل تخرج الدورة الثالثة لأئمة وزارة الأوقاف منذ عدة أيام «دفعة الإمام حسن العطار» لتؤكد إهتمام الرئيس بالدور التوعوى المنوط به إلى المؤسسات الدينية ويطرح دلالة مهمة تتمثل فى أن الدولة تدرك تماماً مدى التأثير والدور الحيوى الذى يمثله الدعاة فى سبيل تكريس القيم السمحة للدين الحنيف والمساهمة الفعالة فى التنشئة الإجتماعية الصالحة للأجيال المتعاقبة بهدف حمايتهم من الأفكار المتطرفة والعنيفة التى تمثل أحد أهم الأسباب التى تؤدى إلى إنهيار القيم المجتمعية والتفكك الأسرى وتصاعد الأزمات داخل الدول المختلفة مثل إنتشار الإرهاب والإدمان وإرتكاب الجرائم.
ولا شك أن ما شهدناه مؤخراً فى منطقة مشاهدة مباريات كأس العالم فى العاصمة الإدارية الجديدة وما قام به مجموعة من الشباب الذين يندرجون تحت هذه الفئة العمرية من عمليات افساد واتلاف للمقاعد المخصصة للمشاهدة تؤكد أن هناك خللاً نفسياً وتربوياً وطاقة تدميرية هائلة وإنخفاض فى الشعور بالمسئولية الشخصية تجاه ما تقوم به الدولة من إنجازات تهدف إلى تحقيق قدر من الرفاهية والسعادة لهم وتراجع دينى وأخلاقى وتربوى لا يمكن مواجهته أمنياً فقط بل يجب على جميع مؤسسات الدولة ذات الصلة خاصة المؤسسة الدينية مواجهته والتعامل معه بالكيفية التى تتواءم مع أخلاقيات وأفكار وتوجهات وانتماءات ووعى هذا الجيل باستخدام أدوات هذا العصر الذى يحتضن تلك الفئة العمرية الشابة فى مصر.
نحن أمام معركة وعى حقيقية تلقى على أكتاف الأئمة الشباب الجدد مسئولية كبيرة لحماية المجتمعات والشباب من محاولات التزييف والتشويه الفكرى وتفرض عليهم التعامل مع هذه التحديات بقدر من المرونة الفكرية والقدرة على تفكيك التفسيرات المغلوطة والمفاهيم المتطرفة التى عانت منها المجتمعات على مدار عقود من خلال تقديم بدائل فكرية تتسم بالوسطية والعمق العلمى.. إنها مسئولية كبيرة أتمنى أن يكون الدعاة الجدد من الشباب قادرين على تحملها خاصة وأن السيد الرئيس لا يألو جهداً على تقديم كافة وسائل العون والتوجيه والدعم لهم بناء على استنزافه بالمخاطر المحيطة بشبابنا وعلمه بمكامن تلك المخاطر وضرورة العمل على مواجهتها بطرق غير تقليدية تتناسب مع الواقع والعصر المعاش وتتواكب مع ما يشهده العالم من تطور تكنولوجى هائل لا يقف عند حد.
وقد تزامن مع تلك المناسبة أن قام الأزهر الشريف بإحتضان إجتماع موسع للجنة الرصد والمقترحات ببيت العائلة المصرية شارك فيه نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين فى مراكز دراسات استراتيجية لمناقشة دور المؤسسات الدينية فى تعزيز الإنتماءالوطنى لدى جيل «زد» وسبل حمايتهم من محاولات الإختراق الفكرى والإستقطاب الأيدلوجى ووقوعهم فريسة للتعاطف مع الجماعات المتطرفة أو التنظيمات الأخرى مثل الماسونية خاصة عبر وسائل التواصل الإجتماعي… وقد أكد المشاركون على إنه تم بالفعل رصد بعض المؤشرات التى تدل على تأثر عدد من أبناء هذا الجيل بتلك المحاولات.
إن المؤسسات الدينية تتحمل عبئاً كبيراً فى حماية هذا الجيل الذى من الممكن إستيعابه من خلال الإستماع إليهم وتحليل أفكارهم وفتح مساحات للنقاش معهم بما يسمح لكل طرف أن يعبر عن وجهه نظره دون خوف أو وعيد أو اقصاء لإيجاد أرضية مشتركة بين الأجيال من خلال مشاركة حقيقية قائمة على الإقناع المتبادل وليس مجرد التوجيه من طرف واحد وهو ما يعزز التفاهم بين الأجيال ويسهم فى تحقيق التوازن والإستقرار داخل المجتمع.
ألا هل قد بلغت… اللهم فأشهد









