تعد المشاركات الخارجية لرؤساء الدول محطات مفصلية فى مسار السياسة الخارجية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بقمم دولية كبرى بحجم مجموعة السبع (G7). فى هذا السياق تبرز زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى مدينة إيفيان الفرنسية كعلامة فارقة فى تاريخ الدبلوماسية المصرية المعاصرة، حيث لم تكن مجرد حضور بروتوكولي، بل كانت تجسيدا لنجاح إستراتيجية مصر فى استعادة دورها المحورى كلاعب لا غنى عنه فى ملفات الأمن الإقليمى والدولى. إن تحليل هذه الزيارة يتطلب الغوص فى الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية التى جعلت منها نموذجا للعمل الدبلوماسى الناجح. ومنذ اللحظات الأولى نجحت المشاركة المصرية فى إيفيان فى كسر حاجز الانعزال الذى حاول البعض فرضه على مصر. ولم تكتف مصر بالحضور، بل فرضت أجندتها، متحدثة ليس فقط باسمها، بل باسم القارة الإفريقية والعالم العربي. لقد أدركت القوى العظمى فى مجموعة السبع أن استقرار الشرق الأوسط وأفريقيا، وهما المنطقتان الأكثر تأثيراً على أمن أوروبا، يمر حتما عبر القاهرة.
والرئيس السيسى استثمر هذا المحفل الدولى ليقدم رؤية مصر تجاه قضايا الهجرة غير الشرعية، ومكافحة الإرهاب، والتنمية المستدامة. هذا النجاح يكمن فى تحويل النظرة الدولية لمصر من دولة تتلقى الدعم إلى شريك إستراتيجى يقدم الحلول.
وكانت قضية الإرهاب العابر للحدود محوراً رئيسياً فى نقاشات القمة. وفى هذا الصدد، نجح الرئيس السيسى فى إقناع القادة الدوليين بأن الإرهاب ليس مجرد ظاهرة أمنية محلية، بل هو منظومة متكاملة تستغل الفراغ السياسى والضعف الاقتصادى.
وطالبت مصر بتجفيف منابع تمويل الإرهاب، والتصدى للفكر المتطرف، وتفكيك شبكات التنظيمات العابرة للحدود. ووجدت هذه القضايا صدى واسعا لدى دول مجموعة السبع. وتحولت القاهرة بذلك إلى حائط صد ضرورى لأمن البحر المتوسط، وهو ما عزز من مكانة مصر كشريك أمنى يعتمد عليه، ليس فقط فى حماية حدودها، بل فى حماية السلم والأمن الدوليين. ولم يغب الملف الاقتصادى عن أجندة الزيارة. ففى اجتماعاته الجانبية مع رؤساء الدول والشركات الكبرى، ركز الرئيس السيسى على الترويج لمصر الجديدة كوجهة استثمارية واعدة. وعرضت القيادة المصرية الإصلاحات الاقتصادية التى تبنتها، والبنية التحتية العملاقة التى تم إنجازها، والمشروعات القومية التى توفر فرصاً استثمارية هائلة.
والنجاح هنا تمثل فى بناء الثقة مع مجتمع المال والأعمال الدولي. واستطاعت مصر أن تقنع المستثمرين بأن استقرارها السياسى هو الضمانة الحقيقية لأى استثمار طويل الأمد.
ولعب الرئيس السيسى دوراً محورياً فى إنجاح الزيارة. إن أسلوب الدبلوماسية الهادئة والمباشرة الذى يتبعه مكنه من بناء علاقات شخصية قوية مع قادة الدول الكبرى. كما أن القدرة على طرح القضايا المعقدة بوضوح وصدق أكسبته احترام رؤساء العالم، وجعلت من المباحثات الثنائية فرصة حقيقية لحل أزمات عالقة، وليس فقط لتبادل العبارات البروتوكولية.
هذا الحضور الشخصى القوى كان له أثر ملموس فى تلطيف التوترات، وإعادة بناء الجسور مع بعض العواصم التى كانت تتبنى مواقف متحفظة تجاه مصر. لقد أثبت الرئيس السيسى أن القيادة الواثقة قادرة على تغيير القناعات الدولية من خلال الحوار الصريح والمستمر.
إن النجاح فى «إيفيان» لم يكن مجرد نجاح دبلوماسى فى الخارج، بل كان له انعكاسات إيجابية على الداخل. فقد عزز من شعور المواطن المصرى بالثقة فى دولته ومكانتها. ورسالة مصر القوية التى تم إرسالها من إيفيان إلى العالم، استقبلها المواطن المصرى كدليل على أن بلاده عادت لتتبوأ مكانتها المستحقة بين الأمم، وأن تضحيات الشعب فى سبيل الاستقرار والتنمية بدأت تؤتى ثمارها على الساحة الدولية.
إن التاريخ سيسجل أن هذه الزيارة كانت لحظة مفصلية فى استعادة مصر لزمام المبادرة الدولية. لقد نجحت القاهرة فى أن تجعل من صوتها مسموعاً، ومن دورها ضرورياً، ومن صداقتها مكسباً لكل من يسعى إلى تحقيق الاستقرار والنمو فى منطقتنا المضطربة.









