تشير التوقعات الأولية لأهم مراكز الفكر العالمية لمجريات كأس العالم 2026، إلى أن الملاعب الخضراء ستكون جغرافيا مصغرة للصراعات الكبرى والتوازنات الدولية المعقدة. فالجمع بين الهيمنة التنظيمية لأمريكا الشمالية، والعزل الصارم لروسيا، وغياب الصين، والرقابة اللوجيستية والأمنية المفروضة على أطراف إقليمية كإيران، سيقدم قراءة دقيقة لطبيعة النظام العالمى الجديد تحت التشكيل، وهو نظام يسعى فيه المعسكر الغربى للحفاظ على قواعده وقوته الناعمة عبر أدوات المؤسسات الدولية، فى حين تفرض فيه التحولات الديموجرافية والاقتصادية للجنوب العالمى واقعاً جديداً من التعددية القطبية يصعب تجاهله أو احتواؤه على المدى الطويل، كذلك فإن الدراسات السياسية تشير إلى أن الولايات المتحدة تحاول من خلال مشاركتها فى تنظيم كأس العالم هذا العام تأكيد نفوذها للعالم وهيمنتها على الكرة الأرضية.
أشار تقرير لمؤسسة راند الأمريكية، إلى التغيرات الجوهرية التى حدثت فى البنية التنافسية لكرة القدم الدولية التى تعكس التحولات الاقتصادية والسياسية فى العالم، حيث لم تعد القوى التقليدية «أوروبا وأمريكا الجنوبية» تحتكر المشهد بمفردها. وتحت عنوان «تمثيل أوسع وتعددية قطبية» قال خبراء المؤسسة» إن توسيع قاعدة المشاركة فى كأس العالم 2026 لتضم 48 منتخباً سمح بزيادة الحصص المخصصة لإفريقيا وآسيا، وهذا التغيير الهيكلى فى التمثيل الرياضى يوازى تماماً المطالبات السياسية والاقتصادية المستمرة بإصلاح مجلس الأمن الدولى والمؤسسات المالية الدولية «مثل صندوق النقد والبنك الدوليين» لمنح «الجنوب العالمي» تمثيلاً أكبر يتناسب مع وزنه الديموجرافى والاقتصادى الصاعد».
وتحت عنوان «دبلوماسية الملاعب المأزومة»، قال خبراء مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية فى واشنطن، إن ايران تشارك فى هذه البطولة وسط أجواء بالغة التعقيد فى منطقة الشرق الأوسط، حيث تتداخل الضغوط السياسية مع التصعيد الأخير بين تل أبيب وطهران واستمرار اغلاق مضيق هرمز وتداعياته على ارتفاع أسعار الطاقة العالمي، وغيرها الكثير من القضايا العالقة بين واشنطن وطهران. وجاء فى التقرير «ستتحول مباريات المنتخب الإيرانى إلى ساحة موازية لعرض الأزمات الداخلية والجيوسياسية لطهران. وستفرض الدول المضيفة، وتحديدًا الولايات المتحدة، تدابير أمنية مشددة لمراقبة البعثة الإيرانية، مما يترجم حالة الحرب الباردة أو التوجس العسكرى المستمر بين الطرفين».
وتحت عنوان «الضغط الرياضى كبديل للتصعيد الشامل» كتب معهد تشاتام هاوس فى لندن، ان مشاركة المنتخب الإيرانى فى البطولة يعكس التناقض الصارخ فى النظام العالمى الحالي، فبينما تخضع طهران لعقوبات اقتصادية قاسية وتواجه تهديدات بضربات عسكرية لمنشآتها، فإنها تستغل مشاركتها الرياضية لإثبات الشرعية الدولية ومقاومة العزل الممنهج الذى تفرضه واشنطن وحلفاؤها، مستفيدة من قواعد الفيفا التى تحول دون الاستبعاد الكامل إلا فى حالات الحروب النظامية المباشرة المعلنة كالحالة الروسية».
أضاف خبراء المعهد «أن مشاركة إيران مع لن تبدأ صافرة انطلاق المباريات، بل بدأت خلف الكواليس الدبلوماسية عبر أزمة حادة حول منح تأشيرات الدخول للبعثة الإيرانية إلى الأراضى الأمريكية، وفرضت الإدارة الأمريكية قيوداً صارمة على فحص هويات أفراد البعثة الإيرانية. وجاء التدقيق مدفوعاً بقرارات تشريعية وتنفيذية مشددة، حيث أعلن وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيو حظراً صريحاً على دخول أى أفراد يثبت ارتباطهم بالحرس الثورى الإيراني. وشكل هذا الشرط مأزقاً قانونياً وإدارياً للاتحاد الإيراني، نظراً لأن عدداً من اللاعبين والكوادر الإدارية قضوا خدمتهم العسكرية الإلزامية داخل مؤسسات تابعة للحرس الثوري».
ودفع التشدد الأمريكى الاتحاد الإيرانى لكرة القدم، إلى تقديم مطالبات متكررة للاتحاد الدولى لكرة القدم «فيفا» بالتدخل لضمان التزام الدول المضيفة بالقوانين الأولمبية وقواعد الفيفا التى تفرض منح تسهيلات دخول متكافئة لجميع المنتخبات المتأهلة دون تمييز سياسي. وانتهت الأزمة قبل أيام من انطلاق البطولة بانفراجة دبلوماسية عبر السفارة الأمريكية فى أنقرة، التى قضت بمنح تأشيرات مشروطة ومقيدة للاعبين والطاقم الفنى الأساسي، مع استبعاد بعض الأسماء الإدارية تحت بند التدقيق الأمنى المستمر.
أجبرت الهواجس الأمنية المشددة والتعقيدات السياسية الجانب الإيرانى على اتخاذ قرار بتعديل خططه اللوجيستية بالكامل لإدارة وجوده فى مونديال 2026 بأقل قدر من الاحتكاك المباشر مع البيئة الأمريكية. فتخلت البعثة الإيرانية عن مخططها المبدئى بإقامة معسكرها التدريبى الرئيسى فى ولاية أريزونا الأمريكية. وبدلاً من ذلك، استغلت طهران علاقاتها الدبلوماسية مع المكسيك للحصول على تأشيرات سريعة، ونقلت مقرها التدريبى ومقر الإقامة الدائم للفريق إلى مدينة تيجوانا المكسيكية القريبة من الحدود الأمريكية. ويهدف هذا الإجراء اللوجستى إلى إبقاء الفريق خارج السيادة القانونية والأمنية المباشرة للولايات المتحدة طوال فترة البطولة، بحيث يقتصر الوجود الإيرانى على الدخول المؤقت عبر الحدود لخوض المباريات الرسمية ثم العودة الفورية إلى الملاذ المكسيكى. وتعد هذه الاستراتيجية ترجمة عملية لحالة عدم الثقة العميقة، ومحاولة لتجنيب اللاعبين أى ضغوط إعلامية أو سياسية أو ملاحقات قضائية قد تنشأ على الأراضى الأمريكية.
ورغم الأجواء السياسية المشحونة، يدخل المنتخب الإيرانى «تيم ملى» البطولة مستنداً إلى استقرار فنى نسبى بعد مسيرة تصفيات آسيوية ناجحة حصد فيها صدارة مجموعته برصيد 23 نقطة. ويقود المنتخب المدرب الوطنى أمير قالينوى، فى خيار يعكس رغبة طهران فى الاعتماد على عقلية وطنية قادرة على إدارة غرف الملابس والتعامل مع الضغوط النفسية والسياسية المفروضة على اللاعبين.
وضعت القرعة إيران فى المجموعة السابعة، وتضم كلاً من بلجيكا، ومصر، ونيوزيلندا. وتتوزع مباريات إيران فى هذه المجموعة وفق جدول زمنى يتطلب تنقلاً مستمراً عبر الحدود. وتاريخياً لم يتمكن المنتخب الإيرانى من عبور دور المجموعات فى جميع مشاركاته الست السابقة شحقق 3 انتصارات، 4 تعادلات، و11 هزيمة». ووفقاً للتحليلات الصادرة عن مؤسسة راند، فإن تجاوز هذا الإخفاق التاريخى والوصول إلى دور الـ 32 فى النسخة الحالية الموسعة «48 منتخباً» يمثل بالنسبة لطهران هدفاً استراتيجياً يتجاوز الرياضة، إذ يسعى النظام السياسى لتوظيف أى إنجاز كروى فوق الأراضى الأمريكية كدعاية سياسية لإثبات القدرة على الصمود وتحقيق الانتصار فى قلب جغرافية العدو.









