لاشك أن الأحداث المتلاحقة حولنا تقتضى ضرورة اليقظة وأخذ أقصى درجات الحيطة والحذر، وقديمًا قالوا : يؤتى الحَذِرُ من مأمنه، بما يعنى أن على الإنسان ألا يكون حذرًا فحسب، بل عليه أن يكون فى غاية الحذر بحيث لا يترك ثغرة يُؤتى من قِبلها، وهذا لا يتأتى إلا بمعرفة الصديق من العدو، وكيف يخطط أعداؤنا للنيل منا: عسكريًا أو اقتصاديًا أو ثقافيًا أو نفسيًا، مع إعداد أنفسنا ومجتمعنا لمواجهة كل أنواع الاستهداف.
وقد نهانا القرآن الكريم عن الغفلة بكل أنواعها سواء عن أمور ديننا أم عن أمور دنيانا، فقال سبحانه: «وَاذْكُر رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ».
ونهانا سبحانه وتعالى عن أن نكون فى جانب الغافلين أو نسير فى ركابهم، يقول عز وجل لنبينا الكريم «صلى الله عليه وسلم»: «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا»، والخطاب له «صلى الله عليه وسلم» و لأمته إلى يوم الدين.
وكما حذرنا القرآن الكريم من الغفلة فى أمر ديننا فإنه قد حذرنا من الغفلة عن أمور دنيانا، فقال سبحانه: «وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا»، و مع أن الآية نزلت فى شأن صلاة الخوف فإن العبرة هنا تكمن وتُستقَى من عموم اللفظ ومدلوله واتساع مقاصده ومعانيه، فالغفلة عن السلاح والعتاد والمتاع لا تتوقف عند حدود ساعة انطلاق الحرب، إنما تسبق ذلك إلى مراحل الإعداد، فنحن مأمورون بالأخذ بكل أسباب القوة العسكرية، والاقتصادية، والعلمية، والثقافية، والمجتمعية، والأخلاقية، حيث يقول الحق سبحانه: «وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ»، فقد جاءت كلمة «قوة» نكرة لتفيد العموم والشمول لكل ما يؤدى إلى امتلاك أسباب القوة، ثم جاء قوله تعالي: «ومن رباط الخيل» من باب ذكر الخاص بعد العام تعظيمًا لشأنه ولمزيد الاهتمام به.
فكما نحتاج إلى اليقظة فى ساحة القتال ومواجهة الأعداء نحتاج إلى اليقظة وإعداد العدة وعدم الغفلة فى سائر جوانب حياتنا العلمية، والثقافية، والاقتصادية، حيث يقول نبينا «صلى الله عليه وسلم»: «المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيفِ وفى كلٍ خيرٌ»، وقوة المؤمن المرادة فى هذا الحديث عامة وشاملة لكل مواطن القوة.
ولا شك أن حرب المعلومات تعد أحد أهم جوانب الحروب العصرية الحديثة مما يتطلب اليقظة التامة سواء فى الحصول على المعلومات اللازمة أو الحفاظ على سرية ما لدينا من معلومات، وتحصين جميع مؤسساتنا من الاختراق، وتدريب جميع القيادات على ذلك، سواء فيما يتصل بمواجهة عمليات الاختراق بصفة عامة أو الأمن السيبرانى بصفة خاصة، مع العمل المستمر على سرعة تفنيد الأكاذيب والشائعات، وإقامة الدورات التدريبية والتثقيفية اللازمة لكل درجة قيادية وبخاصة فيما يتصل بمفاهيم الأمن القومى وتطورها، وتعزيز روح الولاء والانتماء الوطنى وإعلاء المصلحة العامة، فالمؤمن كيّس فطن، وكان سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: لست بالخِبّ ولكن الخِبّ لا يخدعني.









