في خطوة مفاجئة تعكس إعلاء المصلحة العامة للمشهد الثقافي، أعلن الأمير أباظة، رئيس مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، استقالته من رئاسة الدورة المقبلة للمهرجان. وأكد أباظة أن الأشخاص زائلون بينما تبقى المؤسسات والقيم الثقافية الكبرى، مشددًا على أن قرار تنحيه جاء حفاظًا على استمرار المهرجان ودوره التاريخي، لأن بقاء هذا الكيان العريق أهم من بقاء أي شخص في موقعه.
وقال أباظة إن مهرجان الإسكندرية السينمائي سيظل دائمًا منارة مضيئة في سماء الثقافة المصرية والمتوسطية، مضيفًا: «من أجل المهرجان، ومن أجل أن يواصل أداء رسالته التنويرية، قررت الاستقالة من رئاسة الدورة القادمة، فالمهم والأبقى هو استمرار هذا الصرح العريق».
شرعية الاقتراع وثقة الجمعية العمومية
وأوضح أباظة أنه لم يفرض نفسه يومًا على أحد، بل جاء إلى موقعه عبر انتخابات ديمقراطية وإرادة حقيقية؛ حيث انتُخب على مدار أكثر من ثلاثين عامًا بأغلبية كاسحة من الجمعية العمومية للجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما، كما جدد مجلس الإدارة ثقته فيه لمرات عديدة بالتزكية.
وأضاف أن مجلس الإدارة ما زال متمسكًا باستمراره في قيادة المهرجان، لكنه فضّل تغليب مصلحة المهرجان على أي اعتبارات أخرى، قائلًا: «لم أنظر إلى أصحاب المصالح أو المحرضين، وإنما وضعت مستقبل المهرجان فوق كل شيء، بعدما أفنيت سنوات طويلة من عمري في خدمته والعمل من أجل إنجاحه».
وأشار إلى أن الذين منحوه ثقتهم طوال هذه السنوات هم أصحاب الحق الأصيل في الاختيار، معتبرًا أن استمرار الثقة فيه لأكثر من ثلث قرن لم يكن مجاملة أو مصادفة، وإنما جاء تقديرًا لجهد متواصل وعمل دؤوب داخل الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما، التي التحق بها شابًا واستمر في خدمتها حتى اليوم. واستعرض أباظة جانبًا من مسيرته الإبداعية، موضحًا أنه أصدر 26 كتابًا في السياسة والفن والتاريخ، وشغل العديد من المناصب الثقافية والنقابية البارزة، من بينها عضوية مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر.
كواليس الاعتذار والبحث عن بديل
وكشف أباظة أنه سعى جاهدًا خلال الأشهر الماضية إلى ضخ دماء جديدة في إدارة المهرجان، حيث عرض رئاسته على الدكتور وليد سيف، تقديرًا لخبراته الكبيرة السابقة، إلا أن الأخير اعتذر لأسباب خاصة، كما تعذر التوافق بعد ذلك على بديل يحظى بإجماع أعضاء مجلس الإدارة.
وأكد أن مجلس الإدارة ناقش فكرة التغيير والتجديد بشكل ديمقراطي كامل، غير أن الأسماء المطروحة لم تحظَ بالتوافق المطلوب، مما دفع غالبية الأعضاء إلى إعادة ترشيحه مجددًا لرئاسة المهرجان، قبل أن تتصاعد بعد ذلك حملات تشويه وهجوم ممنهج، وصفها بأنها لا تخدم المهرجان ولا الثقافة المصرية في شيء.
الموقف الحاسم في وزارة الثقافة
وأضاف أباظة أن التطورات الأخيرة وما جرى خلال اجتماع لجنة المهرجانات السينمائية بوزارة الثقافة هي التي دفعته إلى اتخاذ قراره النهائي، مؤكدًا أن الاستقالة جاءت بإرادته الحرة الكاملة ومن منطلق مسؤوليته الأدبية تجاه المهرجان وتاريخه.
وتابع بحسم: «إذا كانت المشكلة في شخصي، فأنا أتنحى فورًا. لا يمكن أن أبقى أنا ويضيع المهرجان، بل الأفضل أن نرحل جميعًا ويبقى هذا الصرح السينمائي العريق».
رحلة العطاء.. من المركز الصحفي إلى الرئاسة
يُذكر أن الأمير أباظة قد شارك في مسيرة المهرجان منذ عودته عام 1988، وتدرج في العديد من المناصب القيادية؛ من مدير للمركز الصحفي، إلى أمين للصندوق، ثم أمين عام، فمدير للمهرجان، ثم نائب للرئيس، وصولاً إلى مقعد رئيس المهرجان. وشهدت سنوات عمله تكريم مئات المبدعين من مصر والعالم العربي ودول البحر المتوسط، فضلاً عن تنظيم عشرات الورش ومئات الندوات الثقافية، وإصدار أكثر من 200 كتاب متخصص في الثقافة السينمائية، والإسهام في تأسيس مكتبة «كتاب السينما» التي شارك فيها كبار النقاد والباحثين.
واختتم أباظة رسالته بكلمات مؤثرة حملت الكثير من مشاعر الوفاء والاعتزاز، قائلًا: «سوف نذهب جميعًا، ويبقى مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط منارة خالدة للثقافة السينمائية ومدرسة عظيمة للفن السابع. شكرًا لمهرجان الإسكندرية السينمائي، فقد هرمت في جنباته.. وتحيا الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما، وتحيا السينما، وتحيا مصر».








