كان الجو هادئًا داخل أروقة البيت الأبيض. وصل الرئيس مبكرًا، ومارس عاداته اليومية فى هدوء مع ابتسامته المعهودة. دخل المكتب البيضاوي، ويبدو أنه كان ينتظر مكالمة هاتفية من أحد الزعماء.
رن جرس الهاتف، فرد الرئيس: «أهلاً بيبي»- يقصد بنيامين نتنياهو- ووفقًا للبروتوكول، انصرف بعض المسئولين وبقى أصحاب الشأن.
فجأة، علا صوت ترامب حتى وصل إلى حد الصراخ العنيف. لم يتنصت أحد على فحوى المكالمة، وإنما كان صوت الرئيس وصراخه كفيلين بأن يسمعه كل من كان قريبًا من المكتب البيضاوي. عبارات مسيئة وشتائم وسباب وهجوم غير مسبوق: «أنت لعين، أنت مكروه، أنت مجنون، أنا أنقذت مؤخرتك من السجن، أنت متعجرف، أنت غبي، أنت تلعب بالنار».
لم يقصد أحد أن يتسمع، لكن صوت الرئيس خرج من مكتبه بهذا القدر من الغضب. اتصل أحدهم بالصحفى الإسرائيلى باراك رافيد، مراسل موقع «أكسيوس» والمتخصص فى تغطية العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية، وأبلغه بما سمعه من صراخ وغضب ترامب تجاه نتنياهو.
والغريب أن الموقع نشر تلك التسريبات فورًا. وهنا يأتى السؤال البسيط: لماذا يقوم صحفى إسرائيلى بنشر هذا الغسيل القذر بين الزعيمين اللذين تعلق عليهما إسرائيل جزءًا كبيرًا من رهاناتها السياسية والأمنية؟
يبدو أن هناك أمرًا ما، أو مصلحة ما، دفعت باراك رافيد إلى نشر تلك التسريبات. لكن ما هى هذه الأمور التى وضعها الصحفى فى اعتباره قبل النشر؟
ربما أراد أن يرسم صورة تساعد نتنياهو فى الانتخابات القادمة، باعتباره أحد الصقور الذين يرفضون وقف الحرب قبل إزالة التهديد الإيراني، وفى الوقت نفسه يخدم ترامب، الذى ينتظر انتخابات التجديد النصفي، فيسوق هذه المكالمة باعتباره رجل سلام يواجه ضغوطًا هائلة حتى من أقرب حلفائه.
وهناك احتمال آخر، وهو أن كل ما جرى ليس سوى تمثيلية سياسية أو استخباراتية تدفعنا إلى الاعتقاد بوجود خلافات أمريكية- إسرائيلية عميقة، بما يوحى بأن الحرب قد انتهت أو أوشكت على نهايتها، ثم نفاجأ بعودة التصعيد من جديد بينما نكون مستغرقين فى قراءة مشهد الخلاف الذى جاء عبر تسريبات مدروسة ومقصودة.
وهناك احتمال أكثر بساطة، وربما أكثر منطقية، وهو أن الخلافات حقيقية بالفعل. فالعلاقة بين واشنطن وتل أبيب لم تكن يومًا علاقة تطابق كامل فى المصالح، بل علاقة تحالف تحكمها الحسابات والمصالح والظروف. الولايات المتحدة تريد إدارة الصراع بما يحفظ مصالحها الإستراتيجية الكبرى، بينما يريد نتنياهو إدارة الصراع بما يحفظ مستقبله السياسى وحكومته ومستقبل مشروعه.
المشكلة أن كثيرين فى منطقتنا يقعون دائمًا فى فخ الثنائية الساذجة: إما تحالف كامل أو قطيعة كاملة، بينما السياسة لا تعرف هذه الأحكام المطلقة. قد يختلف الحليفان صباحًا ويتفقان مساءً، وقد يتبادلان الاتهامات أمام الكاميرات ثم يوقعان الاتفاقات خلف الأبواب المغلقة.
لهذا فإن التسريبات، مهما كانت مثيرة، لا ينبغى أن تدفعنا إلى استنتاجات متعجلة. فالتاريخ يعلمنا أن ما يقال فى الإعلام ليس بالضرورة هو ما يدور فى غرف صناعة القرار، وأن ما يبدو خلافًا إستراتيجيًا قد يكون مجرد خلاف تكتيكى حول التوقيت أو الأسلوب أو ترتيب الأولويات.
يبقى السؤال الأهم: لماذا خرجت هذه التسريبات الآن؟ ولمصلحة من؟ وهل المقصود منها توجيه رسالة إلى إيران؟ أم إلى الناخب الإسرائيلي؟ أم إلى الرأى العام الأمريكي؟ أم أنها رسالة متعددة العناوين والأهداف؟
لا أحد يملك الإجابة اليقينية. لكن المؤكد أن السياسة الدولية لا تعرف الصداقات الدائمة ولا العداوات الدائمة، وإنما تعرف المصالح الدائمة فقط. أما العبارة الأكثر إثارة فى هذه القصة كلها، فهى تلك التى قيل إن ترامب وجهها إلى نتنياهو غاضبًا: «الجميع يكرهك الآن… الجميع يكره إسرائيل بسبب هذا». وهى عبارة، إن صحت، تكشف حجم القلق الذى بات يسيطر على بعض دوائر القرار الغربية من الكلفة السياسية والأخلاقية والإستراتيجية للحرب، أكثر مما تكشف عن حقيقة العلاقة بين الطرفين.








