الثقافة المصرية تقوم على قاعدة «الستر» لذا لامستقبل للنميمة
تحفة أدبية وفنية لنجيب محفوظ هى «اللص والكلاب» استقاها من حكاية السفاح الذى هَزَّ المجتمع القاهرى مطلع ستينيات القرن الماضى كان اسمه محمود أمين سليمان .. وكان متخصصًا فى سرقة بيوت الأثرياء وكبار المسئولين
الظاهرة سوف تتراجع.. وتتوقف بسبب يقظة ومتابعة جهات إنفاذ القانون.. واصطدامها مع التقاليد
تتعامل وزارة الداخلية والنيابة العامة مع بعض من يطلق عليهم «بلوجرز» ويقدمون عبر السوشيال ميديا، مواد يعاقب عليها القانون من خدش للحياء أو القيم العامة فى المجتمع، فضلًا عن بعض الذين يقدمون وقائع وقصصًا غير حقيقية بهدف جمع الأموال أو سعيًا لإحداث فوضى اجتماعية، من ذلك ادعاء أن فتاة خُطفت أو تعرضت لاعتداء، أو مثل تلك الفتاة التى جمعت عدة ملايين من الجنيهات بعد حديثها عن الإصابة بمرض السرطان وليس لديها تكاليف العلاج، ثم تبين انها ليست مريضة، ومثل ذلك الوغد الذى خرج يتحدث بكلمات فجة عن زوجته فى أول ليلة زواج، والهدف كسب علامات الإعجاب وتحقيق أكبر قدر من المشاهدة ومن ثم عائد مادى أعلى.. ويدخل فى هؤلاء أكاذيب جماعات الإرهاب لأهداف سياسية واجتماعية تتمثل فى العمل على خلخلة النظام السياسى وإحداث فتنة أو فوضى اجتماعية واقتصادية.
الوقائع عديدة والحالات التى يلاحقها رجال الشرطة كثيرة،حتى إننا بِتْنَا على موعد كل يوم أو عدة أيام مع حالة من هذا النوع.
هذه الظاهرة، رغم أنها تستفز معظمنا، مع الوقت، سوف تتراجع وتتوقف، ليس فقط بسبب يقظة ومتابعة جهات إنفاذ القانون، هذا واجبها الدستورى والقانوني، ولكن لأنها تصطدم مباشرةً مع التقاليد والثقافة المصرية السائدة.. وثقافتنا العامة تقوم على قاعدة «الستر»، وليس الستر بالمعنى الدينى فقط، بل بالمعنى الأخلاقى والاجتماعى والانساني.. وكنا إذا دخل أحد منا بيت الجار، يقول بصوت مرتفع «يارب ياساتر» والمقصود تنبيه الجميع إلى من هو قادم،واذا تحرك أحد أو سافر ندعو له بالستر «ربنا يسترها معاك »، وهكذا فى كثير من الأمور والمواقف، سوف نجد مطلب الستر حاضرا وبقوة، ومن يراجع بعض الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية، حول المجتمع والشخصية المصرية يدرك قيمة ومعنى «الستر» فى الحياة العامة والخاصة، فضلًا عن أحاديث كثير من العلماء والفقهاء الأجلاء وتأملات رجال التصوف فى هذه المسألة.
الستر فى اللغة يعني التغطية، تغطية ما لا يجب أن يكشف على العامة، ويبدأ بستر العورة، وهذا موجود فى سائر الأديان وفى الحضارة الإنسانية، ومعروف أن الحضارة بدأت باكتشاف أن الانسان يجب أن يدارى عورته أوسوءته، وانطلق الستر منها إلى معانيه الأخرى فى حياة الأفراد والمجتمعات.
ويخلط نفر منا بين الستر والتستر، ذلك أن بعض المتحذلقين فهموا أمنية الستر عند المصريين على أنها «تستر» على الخطأ والرذيلة، والفارق كبير بين الأَمْرَيْنِ.. فالستر هو محاولة تجنب الضعف والسقوط أمام براثن الضغوط أو الانكشاف فى مواجهة أى أزمة أو موقف صعب، وهو السعى نحو أن يكون الإنسان أقوى وأكثر تماسكا؛ وأما التستر فهو الصمت عن الخطأ والتهاون مع تجاوزات البعض أخلاقيا وقانونيًا وربما التواطؤ على الانحراف والجرم.
عمل بعض البلوجرز المؤثرين، أو صناع المحتوى.. التسميات عديدة، ويقوم على تَبَنِّى الفضائح وإثارتها،وقد يكون مفهوما أن يُحَوِّلُ البعض واقعة معينة بالتهويل والمبالغة إلى فضيحة.. وهناك من يفضلون الطابع الفضائحى أو ماكان يسمى من قبل «الإثارة»، وهو منهج كان له من يفضله وايضا من يرفضه وينحاز إلى الرصانة والتدقيق.
الفضح فى اللغة يعنى الكشف والتعرية، وكان هناك دائما من يرى ضرورة فضح الخطأ والانحراف، وفى العصر المملوكي، كانت هناك عقوبة «التجريس» لبعض المنحرفين، حيث كان يقضى القاضى بأن يطاف بمن ارتكب جرما ما فى شوارع المدينة وينادى المنادى بجريمته وحكم القاضي، من هنا تم صك تعبير أوتهديد «اعمل له جرسة وفضيحة، ثم توقفت هذه العقوبة فى العصر الحديث، استناداإلى أن الفضح بحد ذاته يدمر من يقع عليه، يلازمه طيلة حياته ويصبح «المفضوح».
وهناك الفضح بقصد إعلام الناس والآخرين بجرم وقع وخطأ ارتكب،ويختلف الناس حول هذا الشكل من الفضح بين من يحبذه، باعتباره يمثل رادعًا تربويًا واجتماعيا للآخرين، لكن يذهب فريق آخر إلى أنه قد يكون تشجيعًا على ارتكاب الفعل المجرم، فضلًا عن أنه يسىء لذوى المدان ومن ثم لا يرحبون بالنشر أو الإعلام بالجريمة، وأنصار هذا الفريق يتوقفون عند جرائم «ريا وسكينة»، سنة1921، النشر والفضح لم يمنع الجرائم فى حق النساء إلى يومنا هذا.
ويجب القول إن بعض الانحرافات والجرائم الكبري، تصير ملهمة لبعض الكتاب والمبدعين والعلماء، وفى مجالات علم النفس وعلم الاجتماع..وفى مجال الأدب هناك رائعة ديستويفسكى «الجريمة والعقاب» وهى مأخوذة عن واقعة حدثت، ولدينا فى الأدب العربى رواية طه حسين «دعاء الكروان» التى تحولت إلى فيلم وهى عن واقعة جرت فى صعيد مصر،مرت فى صمت لكنها هزت وجدان طه حسين، ما قصد الرجل فضح أحد،لكنه أراد التنبه إلى خطورة ظاهرة اجتماعية، كانت مستفحلة.
فى أدبنا الحديث كذلك تحفة أدبية وفنية لنجيب محفوظ هى «اللص والكلاب»،استقاها من حكاية السفاح الذى هَزَّ المجتمع القاهرى مطلع ستينيات القرن الماضي، كان اسمه محمود أمين سليمان، وكان متخصصا فى سرقة بيوت الأثرياء وكبار المسئولين، وأطلقت عليه صحف القاهرة وقتها لقب «السفاح».. والغريب أن بعض هذه الجرائم،تتحول مع الحكى حولها إلى مادة للتسلية، بل المتعة لدى بعض الناس.
وهناك الفضح بقصد التشهير بمن وقع فى الخطأ والجرم،سواء أكان اعتداء على المال والحق العام أوعلى أحد الأفراد،وهنا الفضح قد يكون بالمبالغة فى أمر ما جرى والتهويل منه، القانون يتصدى لهذا النوع من الفضح ويعاقب من يمارسه،ذلك أن المخطئ أو المجرم يعاقب على فعله،لكن لا يستباح اسمه وعرضه وشرفه.يظهر هنا أيضا التشهير لأسباب وأغراض سياسية، هذا النوع منتشر بشدة، وقد يبنى على مواقف وخلافات حقيقية وقد يُبنى على الأغراض فقط، أى إزاحة فريق أو شخص بعينه من موقعه، كم من أنظمة سقطت أو أُسقطت بناءً على معلومات كاذبة ومفبركة تمامًا،أشهرها نووى صدام حسين سنة 2003.. ونحن فى مصر، نعرف هذا النوع جيدًا،فقد احترفته جماعة إخوان حسن البنا، طوال تاريخها،خاصة بعد ثورة 30يونية، حيث دأبوا على فبركة واختلاق الأكاذيب بهدف فضح أداء الدولة والتشكيك فى كل ماتقوم به،ورغم سيل الشائعات والأكاذيب، يتم الرد عليها وكشفها، الأهم من ذلك ان الرأى العام بات مدركًا لما تمارسه تلك الجماعة من أكاذيب ومحاولة إحداث الفضائح، وصار اسمها«جماعة الكذابين».
>
وهناك الفضح للفضح ذاته، الهدف النهائى والقاعدة الأولى والاخيرة الفضح،عن فعل حدث أو حتى لم يحدث، وهنا بيت القصيد.. وبعض صناع السوشيال، يقوم عملهم على اختلاق واصطناع الفضائح ان لم توجد، مثل الذى يتحدث عن تهدم بيته والاقامة فى الشارع او من يدعى الاصابة بمرض عضال أو تعرضه للسرقة او السطو وفقدان كل مالديه،ثم يتبين ان كل ذلك غير صحيح.. وهناك من احترفوا أو احترفن البذاءة واستعمال كلمات نابية، تدخل فى باب خرق القيم الاخلاقية والهدف اجتذاب أكبر عدد من المتابعين ومع ازدياد الأعداد يزداد العائد المادي، ثم تورط بعضهم فى دعوات وخطوات تصنف قانونيًا فى باب «الاتجار بالبشر».فى النهاية هؤلاء جميعًا يعملون ويتحركون فى ثقافة الفضيحة والفضائح فان لم تكن هناك فضيحة قاموا باختراع او تأليف فضيحة، والافضل لديهم ان تكون شديدة التدنى والوضاعة ،على طريقة ذلك الذى تحدث عن «ليلة الدخلة ويوم الصبحية»، وهى ثقافة مضادة تمامًا للثقافة العامة التى تقوم على «الستر»، حتى ان المرحاض أو دورة المياه ،كان يطلق عليه «بيت الأدب»، مواقف عديدة فى الشارع وحياة المواطن يتم التعبير عنها بكلمات بسيطة وراقية، تغنى عن الكثير من الثرثرة والتعبيرات الفجة والصادمة ،التى يرددها هؤلاء سواء كانوا رجالا او سيدات،لتحقيق«الترند».
ولأن الثقافة المصرية العميقة تتبنى قاعدة الستر، دنيا وآخرة،أمام الله وبين البشر،فإن ثقافة الفضائح الى زوال، حتى وان وجدت جمهورًا لبعض الوقت، تاريخيا كان هناك من يميل الى النميمة،لكن دائما كانت النميمة مذمومة وكذا الفضائح، وقانا الله جميعًا من أرباب الفضائح، أيًا كان مسماهم.









