يطرح “محمد منير” في رائعة المبدع “عبد الرحيم منصور” سؤاله: “من هو صاحب المسألة والمشكلة والحكاية والقلم؟” والإجابة: صاحب المسألة شاب مصري من الريف قرر عن قصد أن يكون صاحب المسألة، ومتى كانت المسألة تكون المشكلة لتدور الحكاية من فرد لآخر في أنحاء كثيرة من عالمنا، ويدونها أكثر من قلم.
ويكمل صوت “منير”: “ما نرضاش، يخاصم القمر السما”. ونسأل: متى نرفض هذا الخصام وكل واحد منا أو معظمنا يشعر أنه جزء من أرض وسماء الوطن، وأن التحليق في سماء بعيدة لا يعني خصام القمر بل بحثًا عن نداء مجهول ووعد بحياة مختلفة وجديدة؟ نعم، هكذا يجيب صوت “منير”: “ما نرضاش، يموت جوه قلبي نداء”، فيلبي صاحب المسألة هذا النداء الذي لا ينقطع في داخله! بملابس صيفية بسيطة حاملاً حقيبته بينما تترك أمطار الغربة الغزيرة آثارها على أرض طقس بارد جداً معظم السنة.
ويستمر الصوت: “دي الحكمة قتلتني وحيتني وخلتني أغوص في قلب السر”. أي حكمة نادت صاحبنا ليغادر أرضه ليحيا من جديد بعد أن ضاقت مساحة حلمه، وضاقت عقول من حوله في ظل ظروف خانقة آنذاك يضيق بها صدر الوطن كله جعلته يغوص في قلب سر محتواه: ارحل، وانتظر الفرج!
ويستمر الصوت: “خلتني أخاف عليك يا مصر وأحكيلك على المكنون”، ما هو المكنون؟ هو كل الشباب المصري الأصيل الذي مثل صاحبنا صورة إرادته، عمله، مثابرته، استمراريته، إنه الحلم والطموح.
وتسأل الكلمات في الأغنية: “مين العاقل مننا، مين مجنون؟”، ويقول صاحبنا لنفسه: العاقل من اتعظ بغيره الذي لم يذهب إلى حلمه، والذي ذهب ولم يعد!
أما المجنون فهو واحد من مجانين الساحة الذين يتقافزون كالبهلوانات في سيرك المنظومة. وتحكي الأغنية: “رأيت كل شيء، وتعبت على الحقيقة”، ويحكي صاحبنا: عرفت الإحباط ولم أيأس، صادفني النجاح ولم أغتر، وحلقت كثيراً وبعيداً ودائماً ما أستقر على أرض التواضع.
ويرجع صوت “منير” قائلاً: “بمد ايدي لك، طب ليه متقبلنيش؟” وقد عرف صاحبنا أخيراً أن أصحاب العقول المتميزين المتألقين مثله لا يحبهم أناس في مجتمعه؛ لأنه يكشف هشاشة تفكيرهم وسوءات قدراتهم الذهنية والنفسية، وتتواصل الأغنية في إنسانيتها الرائعة: “لا يهمني اسمك لا يهمني عنوانك، لا يهمني لونك، ولا بلادك، مكانك.. يهمني الإنسان ولو ملوش عنوان”.
يعترف صاحبنا لنفسه: هذا ما آمنت به منذ البداية فاختصرت الاسم والعنوان واللون في حدوتة صلاح المصرية العالمية.









