كان تمزيق مناحم بيجن وشامويل تامير لجولدا بالنقد الذى فاق من وجهة نظرها حد «الهزيمة» إلى هدمها هى شخصيًا واغتيالها معنويًا، فقالت: «اللذان مزقانى إربًا».. حتى إنها صورت ضمن اعترافاتها مشهدا سينمائيًا أو مسرحيًا بطلاه هما بيجن وتامير، وموقع التصوير كان «الكنيست» وهى كانت «الضحية» فقالت: «كان الكلام مليئا بالألفاظ والحركات المسرحية إلى حد لم احتمله» بل إنها فقدت القدرة على الإجابة أو الرد عن تساؤلاتهما فقالت:«قلت لهما إن طبيعة كلماتهما وخطبهما من النوع الذى لن أجيب عليه».. الحقيقة هى أنها لم تكن تملك إجابة على تساؤلاتهم عن «الهزيمة» و«التضليل» و«خداع الشعب اليهودي» و«اسطورة الجيش الذى لا يُقهر» و«حال الجنود العائدين مرضى نفسيين ومعقدين».. والكثير من التساؤلات التى كانت على عكس ما أعلنته جولدا وجيشها قبل الحرب، وهى تقتنص مقولة من أحد أصدقائها الصهاينة ـ حسب تعبيرها ـ لتصف بلاغة وطلاقة بيجن وتامير فى نقدها وتعمد اهانتها:»تمنيت فقط لو أنه تلعثم أو تردد مرة واحدة».
لكن من المهم أن نعرج على مضمون النقد الذى وجهاهه كل من مناحم بيجن وشامويل تامير، وذلك ضمن ما اعترفت به جولدا: «كان بيجن وتامير يتحدثان عن كارثة حديثة، وعن رجال ماتوا، أو أصبحوا معقدين، وعن أشياء رهيبة، ومع ذلك كان حديثهم متدفقًا، لم يتوقفوا فيه حتى ولو لحظة لإلتقاط أنفاسهم وأصبت بالاشمئزاز..» وهنا نرى عدة ملاحظات، أولاً: جولدا تصف حال منافسيها على الحكومة من الأحزاب المعارضة بالشمئزاز، وثانيًا: هما قد وصفوا ـ طبقاً لاعترافها ـ جنود جيش الدفاع بالموتى والمرضى النفسيين المعقدين من هذا المقاتل المصري، وثالثًا: كان استرسالهم وطلاقتهم فى التمادى باللوم والعتاب قد فاق الدور الديمقراطى المنشود إلى حد التجريح، والإهانة، والتمزيق لشخصية جولدا، ورابعًا: هما بذلك كانا من المنتفعين بنتيجة الهزيمة لصالح الإطاحة بجولدا وتولى أحدهما الحكومة الجديدة ـ المتوقعة ـ وخامسًا: لمرات عدة تُبدّل جولدا مفردة «الهزيمة» بـتعبير «كارثة» وهى تُصر على ايجاد بدائل لمعان «الهزيمة» وإن كانت جميعها تحمل ذات المعنى ولكن بأبعاد اجتماعية، وسياسية، واقتصادية، وأمنية وليست فقط عسكرية، وربما فى ذلك تصديقا ـ منا ـ لوصفها الدقيق والشامل معاً فى أن الهزيمة كانت «مأساة وطن» على المستوى الشعبى والمجتمعي، وكانت الهزيمة «كارثة» على المستوى السياسى سواء للحكومة أو للأحزاب المعارضة، وكانت الهزيمة «مرض نفسي» لهؤلاء الجنود العائدون من الجبهة الجنوبية «سيناء» وكانت الهزيمة «تضليل» لهؤلاء الأهالى الذين عانوا من معلومات، وبيانات كاذبة من جانب حكومة جولدا وجيشها عن هؤلاء الأسرى والموتى من أبانئهم من جنود جيش الدفاع.
لذلك قد ترى جولدا فى اعترافاتها أن هزيمة كيبور لم تكن هزيمة عسكرية وفقط بل طالت عموم الكيان، وطوائف الشعب العبري، وجميع الأحزاب السياسية والدينية، بل والحالة المزاجية العامة للمجتمع، وأيضًا الحالة النفسية للجنود وذويهم.
كانت»الهزيمة» فى اعترافات جولدا مائيير هى «الانفجار» وهى «الموجعة المؤلمة» وهى «الكارثة» وهى «المزاج العام السوداوي» وهى الوصف العام والمطلق عندما يُشار فى أى حديث عن «الأحداث السابقة».









