منذ أن أطلقت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المبادرة الرئاسية «تحالف وتنمية» في فبراير 2025 باستثمارات مليار جنيه، بدأت الدولة في ربط البحث العلمي بالصناعة واحتياجات المجتمع، عبر تحالفات تقودها جامعات كبرى؛ مثل جامعة عين شمس وجامعة قناة السويس وجامعة المنصورة وجامعة أسوان وجامعة زويل، في مجالات الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية وإنتاج الأعلاف وغيرها.
ورغم أهمية تلك المشروعات، يبقى هناك ملف لا يقل خطورة وتأثيرًا، لم يحظَ بالاهتمام الكافي داخل المبادرة، وهو صناعة الوعي والثقافة، باعتبارها أحد أهم عناصر بناء الإنسان المصري وحماية الأمن الفكري للدولة.
فالتنمية لا تكتمل دون إعلام قوي وصحافة وطنية قادرة على الاستمرار والتأثير، خاصة مع ما تواجهه الدولة من حملات تشكيك واستهداف مستمر للوعي العام.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مشروع بحثي قومي تقوده وزارة التعليم العالي لتطوير صناعة الورق والطباعة، باعتبارهما من أكبر عناصر تكلفة الصحافة الورقية، وأكثرها ارتباطًا باستمرار المؤسسات الصحفية القومية والخاصة والمستقلة.
فالأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالتوسع الرقمي أو تغير أنماط القراءة، لكنها أصبحت أزمة إنتاج حقيقية نتيجة الارتفاع العالمي الكبير في أسعار الورق، واعتماد السوق المصرية بصورة واسعة على الاستيراد.
فقد ارتفع سعر طن ورق الصحف عالميًا إلى ما بين 600 و800 دولار، بما يتجاوز محليًا 44 ألف جنيه للطن، بينما تستورد مصر نحو 65% من احتياجاتها من خامات ولبّ الورق من الخارج، وهو ما يضغط على العملة الأجنبية ويرفع تكلفة الطباعة بصورة كبيرة.
وفي المقابل، لا تزال الصحف القومية وحدها تضم ما يقرب من 30 ألف عامل وموظف وصحفي في الإدارات والمطابع والتحرير، ما يجعل الحفاظ على تلك الصناعة قضية اقتصادية وثقافية واجتماعية في آنٍ واحد.
كما تشير دراسات الاتحاد الدولي لوسائل الإعلام الدورية إلى أن الإعلام المطبوع لا يزال يمثل نحو 65% من إجمالي إيرادات المؤسسات الصحفية عالميًا، مقابل 21% فقط للإيرادات الرقمية، ى14% للأنشطة غير النشرية كالمؤتمرات و خدمات التجارية، وهو ما يؤكد أن الصحافة الورقية لا تزال شديدة الأهمية، لكنها تحتاج إلى تطوير اقتصادي وصناعي يضمن استدامتها.
ومن هنا يمكن أن يظهر الدور الحقيقي للبحث العلمي، عبر شراكات تطبيقية بين الجامعات التابعة للتعليم العالي ومصانع لبّ الورق في قوص وإدفو بصعيد مصر، لتطوير معالجة الورق وإعادة التدوير والاستفادة من مصاصة القصب كمادة خام بديلة، بما يدعم التصنيع المحلي ويقلل فاتورة الاستيراد.
إن الربط بين التعليم العالي والهيئة الوطنية للصحافة ومراكز البحوث والمصانع قد يحول أزمة الورق إلى فرصة وطنية حقيقية، لأن بناء الإنسان لا يبدأ فقط من قاعات الدراسة، بل أيضًا من صحيفة وطنية قادرة على حماية الوعي وصناعة عقل مستنير يواكب متطلبات الجمهورية الجديدة.









