> ما أحوجنا اليوم إلى استعادة فكر وعلم شيوخنا الكبار من أمثال محمد أبوزهرة، محمد الغزالي، يوسف الدجوي، الخضر حسين ـ الشيخ الفحام ـ عبدالمجيد سليم ـ المراغى والشيخ العلامة/ محمود شلتوت الإمام الأكبر وشيخ الجامع الأزهر الأسبق «عليه رحمة الله»، فاليوم تطل الفتن وفقه التشدد والغلظة والقبح القادم إلينا عبر بعض وسائل الإعلام والفضائيات والدعوة المتشددة، خاصة بعد الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران «2026» ولن تتمكن الأمة من مواجهته إلا عبر فقه التسامح والتراحم الذى أسس له أمثال هؤلاء العلماء والشيوخ السابقون، اليوم نقدم نماذج من فكر الشيخ شلتوت الذى يدعو إلى الرحمة والتسامح ويضع شروطاً قاسية لتكفير المسلم ويحذر من سهولة هذا التكفير كما يفعل دعاة الغلو والتطرف الخادمين باستمرار لأمريكا وإسرائيل.. تعالوا نستمع إلى الشيخ شلتوت وكأنه ينادينا من الجنة التى وعده الله بها لحسن عمله وعلمه ولمبادئه، وسنكتشف أن الرحابة الفكرية عند الشيخ شلتوت لم تقتصر كما يقول «د.حسن سهلب فى كتابه الرائع «الشيخ محمود شلتوت: قراءة فى تجربة الإصلاح والوحدة الإسلامية» الصادر عام 2008 عن مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامى بيروت» على الداخل الإسلامى فحسب، بل تجاوزتها إلى الأديان السماوية الأخري، حيث وضع شروطاً قريبة من التعجيز، لإخراج أى إنسان من دائرة الإيمان، وبالتالى اعتباره كافراً.
فالإسلام كما يراه الشيخ يعتبر المخالفة فى الدين لا تبيح العداوة والبغضاء، بل لا تمنع من التعاون والعلاقات السلمية والعيش المشترك، فهذا الدين الذى أباح الارتباط بالنصارى واليهود من ناحية المصاهرة، مع الإبقاء على نصرانية الزوجة أو يهوديتها، من دون تفاوت فى الحقوق بينها وبين الزوجة المسلمة، أو منعها من ممارسة عبادتها الخاصة.
إن هذا الدين الذى رضى لأبنائه أن تكون أمهاتهم غير مُسلمات، وأن يكون أخوالهم غير مسلمين، قد أعرب عن انفتاح حقيقى على أهل الكتاب، ولم يجد خطراً على نظامه من إقامة أقوى العلاقات الإنسانية، المتمثلة بالزواج معهم، وفى مكان آخر يرفض اعتبار إباحة التزوج بالكتابيات من باب الرخصة، لعدم وجود أى دليل برأيه على ذلك مؤكداً أن الآية «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وطَعَامُ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ والْمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» «المائدة: 5» «دلت على الإباحة المطلقة ولم تقيد بوقت خاص ولا حالة خاصة»، ثم إن الإسلام لا يمانع من أن يعيش المسلمون وأهل الكتاب تجربة وطنية واحدة، تضمن حرية المعتقد، والقيام بالطقوس الخاصة، والمساواة التامة للجميع فى الحقوق والواجبات، وإذا كانت تجربة المسلمين فى مصر مع الأقباط قد أتاحت للشيخ التوسع قليلاً فى هذا المجال، إلا أنه لم يكن مستغرقاً بها، ولم يتقيد بأى من معطياتها الخاصة.
> > >
> وتتألق النزعة الإنسانية عند الشيخ شلتوت عندما يأتى على تفسير عبارة «يَـبَنيِ ءاَدَمَ» فى آيات من سورة الأعراف «26 و27 و31» فيستوحى نداءاً إلهياً يجمع الناس فى «رحم واحد وأبوة واحدة» وعندما يكون الأمر كذلك، فلا عبرة بابتعاد الفروع مع اتحاد الأصول، مهما بدا هذا الابتعاد مميزاً، إما بالجنس أو اللغة أو الإقليم.
ثم يتابع فيقول بإن هذا النوع من النداء «هو أول ما يضعه القرآن من سبل الوحدة الإنسانية البشرية»، قبل أن يخلص إلى حقيقة مفادها أن معاناة البشرية، وتفاقم ويلاتها، لم تكن لتصبح واقعاً مأساوياً إلى الدرجة التى وصلت إليها، إلا بعد أن «أغمضت «البشرية» عينيها عن هذه الوحدة البشرية التى تردهم إلى أصل واحد».
> > >
> وفى شرحه لآية «لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ» فى سورة الممتحنة يرى الشيخ شلتوت اعتبار هذه الآية «بمثابة دستور إسلامى فى معاملة المسلمين لغير المسلمين» وإذا كان المعنى الإجمالى للآية عدم وجود نهى إلهى فى التعامل مع أى مجموعة بشرية لم تُقاتل المسلمين، أو تخرجهم من ديارهم، فقد أراد الشيخ شلتوت من هذا الدستور الإسلامى أن يرعى أوسع العلاقات الإسلامية مع كل البشر الذين لم يقاتلوا أو يخرجوا المسلمين، هذه العلاقات التى يظللها البر، ويضبطها القسط، وينميها التعاون، حسب مفردات الآية القرآنية، وهى من أرقى العلاقات التى توصل إليها «العقل البشرى فى العلاقات الدولية العامة»، وفق تعبيره.
> > >
> الخلاصة إذن قد لا يكون ما تقدم جديد من ناحية التفسير التقليدى للقرآن الكريم ولكنه بالتأكيد خطوة نوعية فى مجال تطبيق المعانى القرآنية على قضايا العصر والمدنية الجديدة، وإذا كان لنا أن نصف هذا الربط، فبالإمكان القول بأن عمق الشيخ فى الإيمان بالإسلام لم تخفِ انتماءه العريق للعصر وقضاياه. خاصة قضية التسامح ودرء الفتن التى تهطل علينا اليوم وموازية للاستخدام الأمريكى الإسرائيلى وتلاميذهم وسماسرتهم فى أوطاننا خاصة بعد تلك الحرب المجنونة التى شنتها واشنطن وتل أبيب على إيران ويدفع الجميع – الآن – فاتورتها.









