ويقترب يوم عرفة.. يوم 9 ذو الحجة لعام 1447هـ.. اسمحوا لى.. أن أصطحبكم فى جولة روحانية.. لنقف على ما كتبه من أسلموا من الغرب.. مراد هوفمان.. ألمانى مسلم.. أدى الحج عام 1992.. أعلن إسلامه وهو سفير المانيا فى المغرب.. استقال من الخارجية.. وعمل بالمركز الإسلامى فى ألمانيا.. ينظم رحلات حج ويقف على عرفات ملبياً وداعياً.. وخلفه آلاف الحجيج يرددون آمين.. بعد حجته الأولي.. أصدر كتابه «الطريق إلى مكة» فى 174صفحة.. يقول : فى يوم عرفة.. يحاول البعض قطع ما بين 10-15 كيلو مترا سيراً على الأقدام.. لكنه صعب.. نظراً لارتفاع درجة الحرارة بشدة منذ الثامنة صباحاً.. وينقل حوالى 50 أتوبيسا ما يزيد على مليونى حاج إلى عرفة..
ومن الطبيعي.. أن تحترق أقدامى الألمانية.. خلال بضع دقائق فى درجات الحرارة هذه.. وقد لجأت إلى خيمة صغيرة.. تقاسمتها مع حاج آخر.. لا أعرفه.. يعمل استاذا بجامعة جورج تاون بواشنطن.. وكان الشيخ نعناع من الجزائر.. يقيم فى الخيمة المجاورة.. كان يوماً طويلاً رائعاً.. يوماً للتأمل والسلام.. يوماً للصلاة.. والدعاء.. لقد عايشت هذا التوجه الكامل إلى الله.. بكل الصفاء الداخلى الباهر.. فلا شيء فى يوم عرفة سوى مناجاة الله.. حيث يتجسد النداء الدائم : لبيك اللهم لبيك.. ويقول مراد هوفمان : هذا إذن هو معنى الوقوف بين يدى الله بعرفات.. ملايين من الناس يتشحون بأكفان.. يتركون فى هذا اليوم.. كل شيء وراء ظهورهم.. فوجودهم اليوم مكرس لله وحده .. يصلون ويتضرعون فى خشوع ويقين لم يحدث من قبل.. ولن يحدث فى الغالب.. من بعد.. ويستكمل مراد هوفمان كلامه.. بقوله: فى هذا المكان «عرفات».. ألقى محمد «صلى الله عليه وسلم» قبل وفاته بأسابيع قليلة – فى عام 632 ميلادية.. خطبة.. تقرأ كل عام فى ذات اليوم.. وذات المكان.. قائلاً : أوصيكم بالنساء خيراً.. وأنهى خطبته قائلاً: انى تارك فيكم ما إن تمسكتم به.. لن تضلوا أبداً : كتاب الله وسنتي.. وإنى مسائلكم يوم القيامة فيما أنتم فاعلون.. أجاب الحاضرون: نشهد انك أديت الأمانة.. وبلغت الرسالة.. ونصحت الأمة.. ويقول هوفمان: وهذا نفسه هو ما أَشهده اليوم مع مليونين ومائتى ألف من النساء والرجال من مختلف أنحاء العالم.. وأمامى كتاب آخر بديع.. كتبته: كارين آرمسترونج.. قامت بترجمته د. فاطمة نصر ود. محمد عناني.. والكتاب بعنوان: سيرة النبى محمد «صلى الله عليه وسلم».. وهى كاتبة بريطانية.. مجالها البحث فى الأديان.. وهى تتعمد تصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام.. وقد بينت الكاتبة صفات محمد صلى الله عليه وسلم.. قبل البعثة.. وما كان عليه من صدق وأمانة ودماثة خلق وتعاطف مع المهمشين من اليتامى والفقراء والعبيد والنساء.. وما كان عليه من روحانية وورع.. وتوضح الكاتبة.. ان الوحى بالنسبة لمحمد.. كان تجسيداً لكلمة الله.. على لسان بشري.. وبلغة إنسانية.. مثلما كان حمل مريم العذراء.. تلقياً لنفس الكلمة فى صورة بشرية وبلغة إنسانية.. وتسرد الكاتبة أثر القرآن فى إسلام الكثيرين.. ممن كانت قلوبهم قاسية من أهل مكة قبل الإسلام.. خاصة عمر بن الخطاب.. ثم تشرح خاصية القرآن الروحانية والجمالية الفريدة والمتفردة.. وتقول ارمسترونج ان محمداً صلى الله عليه وسلم.. خاض معارك إيجابية وتشاجر مع الواقع.. ليردع الظلم ويدفع العدوان.. فحروب الإسلام كانت دفاعية.. ورداً للعدوان.. ووسيلة لفرض السلام الإسلامي.. الذى أوقف حمامات الدم وأقام مجتمعاً عادلاً أساسه القيم الرفيعة.. والعمل على إسعاد البشرية.. وتقول الكاتبة الإنجليزية.. الإسلام دين الاستمرارية مع الماضى وعقيدة سلم وتسامح.. وفى نهاية الكتاب تقول الكاتبة.. ان محمداً لم يمت.. فهو يعيش فى وجدان كل مسلم وفى تفكيره وحياته اليومية.. وان محمداً.. أتى بالإسلام دين سلام ووفاق.. وانه لن يختفى أبداً.. لأنه يدعو.. إلى إرساء قواعد الحب والعدل والخير والسلام الإنساني.. وتقول ارمسترونج: ان الحج تعبير قوي.. عن رحلة العودة الإرادية إلى الله.. من حيث أتى البشر.. ان الحج.. نوع من الاقتراب من جذور كيان الإنسان.. والحج يذكر الجميع بمحمد.. وأيضاً بإبراهيم وإسماعيل أبوى كل المؤمنين.. وتقول الكاتبة: ان محمداً صلى الله عليه وسلم.. فى خطبة الوداع عام 632 ميلادية أوصاهم من فوق جبل عرفات.. أن يعدلوا فى المعاملات.. وأن ينبذوا كل الضغائن.. قائلاً صلى الله عليه وسلم: اسمعوا قولى واعقلوه.. ان المسلم أخو المسلم.. فلا تظلموا أنفسكم.. هذا الكتاب يقع فى 412 صفحة.. وكاتبته كانت لها إشعار فى العشق الإلهي.. أقول: اللهم اكتب لنا حجة قبل الممات.. واجعلنا من المقبولين.. المغفور لهم فى يوم عرفة.








