في كلمته أثناء افتتاح الدلتا الجديدة، صباح أول أمس-الأحد-كان الرئيس عبد الفتاح السيسى، مباشرًا وصريحًا، في أن تحقيق الاكتفاء الذاتي من كل المنتجات الغذائية صعب للغاية، خاصة.
هذه المقولة تنطبق على معظم دول العالم، بالنسبة لنا فإن عدد السكان في ازدياد مستمر ومتواصل، معدلات الاستهلاك في تزايد أيضا، تطلعات المجتمع وطموحات أفراده في ازدياد كذلك.. هذه الاشارة من السيد الرئيس لا تصدر من فراغ، قبل عدة أسابيع، بدأت عملية توريد محصول القمح من الفلاحين بالمحافظات الى الجهة المسئولة، وأشارت بعض المصادر الي زيادة الكميات هذا العام، بحمد الله، جاء المحصول جيدا، عرق وتعب الفلاحين أثمر، بعض زملائنا من صحفيين وكتاب، في غمرة الحماس والسعادة بالمحصول الوفير هذا العام، اندفع الى القول اننا بتنا على وشك تحقيق الاكتفاء الذاتي من إنتاج القمح، بل من سائر المنتجات الغذائية، وذهب البعض الأخر إلي أننا هذا العام حققنا بالفعل الاكتفاء الذاتي.
مشروع ضخم يضيف أكثر من 2,2 مليون فدان الى المساحة المنزرعة
بعض الآراء التي تصدر فى لحظات الحماس والفرح البرىء، تتحول لدي فريق من المواطنين الى حقائق قاطعة، يترتب عليها تصورات غير دقيقة وربما مواقف غير مدروسة وليست ناضجة، ولعل الرئيس أراد ان يقدم ذلك الايضاح والتنبيه في لحظة افتتاح المشروع الضخم والانجاز الكبير “الدلتا الجديدة”، ولنا أن نتصور إضافة أكثر من 2,2 مليون فدان الى المساحة المنزرعة، العظيم في هذا المشروع ان هذه المساحة الضخمة في قلب الصحراء، ومن ثَمَّ فإن المجهود مضاعف، الفكرة ببساطة جاءت من اننا بحاجة إلى أراض زراعية جديدة، لم تعد أراضى الدلتا والمحيطة بالنيل تكفي، نفس المساحة كانت قائمة حين كان سكان مصر أقل من ثلاثة ملايين نسمة.
جاءت الفكرة كذلك من ملاحظة شخصية للرئيس، في التقارير حول استخداماتنا للمياه، لاحظ ان هناك كميات من مياه النيل تتدفق الى البحر، عند التقاء الفرع بالبحر، هذه الكميات كانت تعد فقدًا طبيعيا، لا حيلة لنا فيه، طلب الرئيس دراسة إمكانيات الاستفادة من تلك الكميات بتحويلها الى الصحراء، فولدت الفكرة والمشروع الكبير، أضيف إلى هذه الكميات من المياه، كميات أخرى من المياه يعاد تدويرها والاستفادة منها.

البعض منا يصيحون في حالة من النوستالجيا الدائمة، زمان كان الخير كثير، الحق أن الخير الآن أكثر بفضل الله تعالى وجهود المصريين، سنة ١٩٥٠، كان متوسط إنتاج الفدان من القمح أقل من ثلاثة أرادب، حاليا تجاوزت الإنتاجية 24 أردب، بفضل اختيار تقاوي تدر عائدًا أفضل، مع جهود المزارعين، اي ان انتاجية الفدان تضاعفت حوالي ثمانية أضعاف، لكن الاستهلاك تضاعف أكثر لسببين: -الأول تضاعف عدد السكان، حاليا نحن حوالي ١٢٠ مليون نسمة، وهذا معروف ومثبت بالإحصاءات الرسمية، والثاني: وهو ما يستحق ان نتوقف عنده، إذ يتعلق بمستوى ونوعية غذاء المصريين.
تاريخيا كان “رغيف العيش” في مصر يصنع من دقيق الذرة، ويذهب بعض المؤرخين بالإضافة إلى فريق من الأطباء وخبراء التغذية أن دقيق الذرة أخف وأكثر صحية، أما دقيق القمح فلم يكن هو المستعمل، كان يخبز به فقط فى بعض السرايات والقصور، لذا كان يطلق عليه “عيش السرايا”، لذا لم يكن الإقبال كبيرا عليه، فلم يكن هو المكون الرئيس لغذاء المصريين، وكان يستعمل فقط فى بعض المناسبات كالخروج إلى المقابر، والتصدق ببعض “القُرص”، أو فى عمل الفطير المشلتت بقرى الوجه البحرى يوم شم النسيم بالإضافة إلى البيض الملون.
التنمية عملية مستمرة ومستدامة هدفها تعزيز المنتج ومحاولة سد الاحتياجات الرئيسية فى الحياة
ويحلو لبعضنا القول إن قمح مصر كان يطعم الامبراطورية الرومانية ويقفزون من ذلك الي القول بضرورة ان يكون لدينا قمح يكفينا ولا نلجأ الى الاستيراد، وننسى أنه فى العصر الرومانى لم يكن القمح مكونًا رئيسيًا في خبز المصريين، وفى العصر الحاضر، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، ساد مطلب العدل الاجتماعى، تم الترويج له فى الجامعات البريطانية كمحاولة لمواجهة انتشار الأفكار والدعوات الماركسية ،التي شعرت كثير من الدول بخطورتها، خاصة بعد نجاح الثورة البلشفية سنة ١٩١٧، وعندنا فى مصر صارت العدالة الاجتماعية مطلبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والمفارقة أنها ظهرت بقوة فى الدائرة المحيطة بالملك فاروق، ثم صارت سياسة عامةً مع ثورة يوليو ١٩٥٢، وتجربة الرئيس جمال عبدالناصر، وهكذا لم يعد القمح لعيش السرايا فقط، بل وجب ان يصبح عيش السرايا للجميع وقامت الدولة بتبني هذا الحق ودعمه ماليًا واقتصاديا.
تاريخيا حاولت الولايات المتحدة الامريكية، بعد اغتيال الرئيس كيندى الضغط على عبد الناصر سياسيًا بمنع صفقات القمح عنا، فكان أن اتجهت مصر إلى الاتحاد السوفياتى لشراء القمح، ومع تعاظم سكان مصر تعاظمت الكميات التى تحتاجها مصر من القمح المستورد، ذلك إن الإنتاج المحلي لم يكن يكفينا، حين كان عدد السكان أقل من ٢٤ مليون نسمة، فما بالنا اليوم؟
مطلب الاكتفاء الذاتي من القمح تحديدا، مطلب نبيل، ولو تحقق يوفر لنا فاتورة استيراد الأقماح من روسيا وأوكرانيًا، لكن معطيات الواقع تقول إن مساحات الأراضى المنزرعة لدينا كميات المياه المتاحة لدينا لا تمكنا من ذلك، لسنا مثل روسيًا ولا أوكرانيا ولا فرنسا، لا يجب ان ننسى اننا بلد صحراوي رغم وجود النيل.
لكن هل هناك بلد في العالم لديه اكتفاء ذاتي بشكل كامل في المواد الغذائية؟
فرنسا لديها اكتفاء بنسبة ٧٦. /. تقريبا، ألمانيا قد تزيد قليلًا، والحادث أن كل بلد لديه تميز فى إنتاج أو محصول معين، مثلًا فى السودان وبعض الدول الإفريقية لديها فائض في حيوانات اللحوم الحمراء، روسيا وأوكرانيا لدي كل منهما فائضًا في القمح، أوروبا لديها نقص في بعض المنتجات، لذا يستوردون البطاطس وبعض الخضروات من مصر وهكذا.
الواقع يقول: إنه يجب العمل باستمرار على تقليل الفجوة بين احتياجاتنا وما ننتجه، خاصة فى المجال الزراعى والغذائى، خاصة وأن الظروف العالمية قد لا تكون مواتية، وحين وقعت الحرب الروسية/الأوكرانية، ساد القلق العالم كله باعتبار أن البلدين المتحاربين هما أكبر مَصْدَرٍ للقمح فى العالم، ونحن المستورد الثانى على مستوى العالم، ورغم تعطل التصدير بعض الوقت، لكن أمكن للدولة المصرية تأمين احتياجات السوق من القمح، علاقات مصر الجيدة مع روسيا ومع الرئيس بوتين، وكذلك علاقتنا بأوكرانيا، جعلتنا نَعْبُرُ تلك الأزمة بأقل الأضرار، وذلك أن الحرب ومخاطر حركة السفن رفعت الأسعار كثيرا، وبجهد كبير سياسى واقتصادى، أمكننا تحملها والوفاء بها، ولكن نيران الحروب والصراعات تتحرك بسرعة حول العالم وتتكاثر فى منطقتنا، من هنا تأتى أهمية الدلتا الجديدة، وفى مثل هذه الأجواء المشحونة، يجب أن يكون الرهان الكبير على التنمية ومشروعاتها.. صحيح أنها ليست ولا يجب أن تكون الرهان الوحيد، لكنها مهمة وضرورية.. والحق أن الدولة كانت منتبهة الي هذا البعد وعملت منذ عشر سنوات على العديد من المشاريع الكبرى.
الدلتا الجديدة، مشروع ضخم، ذو تكلفة عالية، حوالي ٨٠٠ مليار جنيه، به مكونات ضخمة، مئات الشركات، باختصار “دنيا جديدة”، وهناك من تصور أن كل ما تقوم به الدولة هو بناء الجسور والطرق، وراحوا يهونون من ذلك ويعتبرونها خارج الأولويات، والحق أنها جزء من مشروع متكامل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبحق أشار الرئيس إلى أن التنمية هي عملية مستمرة ومستدامة، والمعنى هنا أن المشروع-أي مشروع-حتى لو كان بضخامة الدلتا الجديدة، ليس هو نهاية المطاف ولا ينبغي ان يكون كذلك، هو جزء من عملية كبرى، تستمر وتتواصل، هدفها تعزيز المنتج ومحاولة سد الاحتياجات الرئيسية في الحياة.
عادة، في تاريخ المصريين، تكون المشاريع الكبرى بداية طريق وليست نهايته، هكذا كان الحال مع إنشاء القناطر الخيرية وحفر قناة السويس في القرن التاسع عشر ثم بناء خزان أسوان ومن بعده السد العالي في القرن العشرين وحاليًا تأسيس الدلتا الجديدة، الخير قائم وقادم في هذه الأرض الطيبة المباركة وبجهود أبناء مصر المخلصين والمحبين.









