عندما يسقط غطاء الستر، لابد أن تسأل نفسك: ماذا فعلت أيها العبد حتى يرفع الله عنك غطاءه؟ وأى مصيبة أنت فيها اليوم؟! ذهبت إلى زيارة صديق قديم فوجدته مهموما، سألته: «خير يا عم؟»، فقال بنبرة يملؤها الأسى : «فلان انفضح فضيحة «المطاهر» والناس كلها بتتفرج عليه.. عمل كذا وكذا..».
عدت، مستلقيا أنظر إلى أعلى الحجرة، وأتساءل فى صمت مخيف: ما الذى حدث حتى يرفع الله عنه غطاء الستر؟ الستر الذى هو أكبر النعم التى يمنحها الله لعبده فى هذه الدنيا.
بعد لحظات صمت، أخذت أحدث نفسي: ماذا لو نزع هذا الغطاء، وصارت السرائر علانية، و«اتعرفت كل حاجة»؟ بدون تردد كانت الإجابة صادمة بالنسبة لى لكنها الحقيقة: «الناس هتولع فى بعضها»، ولفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه. فالستر هو الحصن الذى يحفظ لنا كرامتنا، ويسمح لنا بأن نمشى بين الناس برءوس مرفوعة، رغم ما نحمله من زلات وتقصير.
نحن نعيش فى هذه الدنيا مغمورين فى بحار من نعم الله، لكننا لا ندرك قيمتها إلا بعد فقدها. ولعل «الستر» هو النعمة الخفية الأشد جلالا؛ فهو الحجاب اللطيف الذى يضعه الله بين عيوبنا وبين أعين الخلق.
نحن لسنا صالحين بالقدر الذى يظنه الناس، بل نحن «مستورون» فقط؛ فاللهم أدم علينا نعمة الستر.
بسرعة هرعت أبحث فى هذا الموضوع وماذا قال العلماء، فوجدت أن هناك اتفاقا على أن الله سبحانه وتعالى سِتِّير يحب الستر، ولا يفضح عبده من الخطوة الأولى ولا من الذنب الأول. هو يمهل العبد ليتوب ويرخى عليه أستاره لعل الحياء يستيقظ فى قلبه، ويرفع الستر عندما يتحول الذنب من كبوة عابرة إلى منهج حياة، وعندما يتبدل الندم بالتبجح.
يوضح أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه وأرضاه، هذا الرابط العجيب بين الذنب وارتفاع الحماية الإلهية، عندما يفسر لنا معنى هذا الدعاء: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتِى تَهْتِكُ الْعِصَمَ»، فيقول إن هناك نوعا من الذنوب يخرق جدار الحماية «العِصَم»، ويجعل العبد مكشوفا أمام عدالة الأرض والسماء.
هتك العِصَم يحدث حين يستخف العبد بنظر الله إليه، ويكون همه الأكبر هو الاختباء من أعين البشر فقط، وهو ما يعبر عنه القرآن الكريم: «يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ».. ربنا يعافينا.. ومن أعظم أسباب زوال الستر هو «المجاهرة»؛ فالذى يذنب ويبكى فى خلوته أقرب إلى الستر ممن يذنب ويخرج ليتفاخر بذنبه أمام الأشهاد.
ويقول الحسن البصرى رحمه الله: «هَانُوا عَلَيْهِ فَعَصَوْهُ، وَلَوْ عَزُّوا عَلَيْهِ لَعَصَمَهُمْ».وينقلنا هذا القول إلى عمق الحقيقة النفسية والقلبية لهذا المشهد؛ إن الهوان على الله يأتى حين يستمرئ العبد المعصية، ويظن أن ستر الله عليه هو رضاء عن فعله، وليس إمهالا لحكمته.
عندما يسقط غطاء الستر، فاعلم أن العبد قد أمن مكر الله، واستخف بالستر المتكرر، وظن أنه ذكى بما يكفى لئلا يكشف، فجاءه الأخذ من حيث لم يحتسب.
عدت من جديد، وأنا أحدق فى السقف، لأدرك أن المصيبة التى وقع فيها ذلك «المفضوح» ليست مصيبته وحده، بل هى جرس إنذار مرعب لكل من يقرأ أو يسمع، ليستوعب أن الفضيحة ليست مجرد تشهير، وقد تكون أحيانًا جرس إنذار قاسيًا يوقظ الإنسان قبل أن يغرق أكثر.
أردت النوم، ولكن تذكرت ذنوبى وأفعالى التى سترها الله، فعرفت كم كان ربى رحيما بي.
اللهم لا ترفع عنا سترك، ولا تكشف عنا حمايتك، واجعل تحت هذا الستر قلبا يخشاك ويسعى لرضاك. اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض عليك.









