بالرغم من الأجواء الإيجابية التى شهدتها زيارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للصين، إلا أن هذا المشهد الدبلوماسى لم يخف طبيعة الخلافات بين القوتين العظميين فى العديد من القضايا، لا سيما الاقتصادية بعد أن أصبحت بكين تهدد بوضوح زعامة واشنطن للعالم.
خلف هذا المشهد الاحتفالي، كشفت القمة أن العلاقات الأمريكية-الصينية، لم تعد المنافسة فيها مؤقتة أو قابلة للتفاوض أو مرتبطة بأزمات عابرة، بل أصبحت الآن منافسة مفتوحة يتم إدارتها عبر الردع المحسوب بدلاً من المصالحة.
إن اصطحاب ترامب إلى مجمّع «تشونجنانهاي» الذى يعد مقر القيادة التابع للحزب الشيوعى الصينى الحاكم فى بكين يمثل اشارة دبلوماسية لرغبة الصين فى اقامة علاقة ناجحة مع الولايات المتحدة مثلما كانت فى عصر الرئيس الأمريكى السابق ريتشارد نيكسون الذى التقى بالزعيم ماو تسى تونج داخل تشونج نانهاى خلال زيارته التاريخية إلى بكين فى 1973، والتى كانت المرة الأولى التى يزور فيها رئيس أمريكى الصين.
وفى أعقاب تلك الزيارة، تحولت العلاقة بين واشنطن وبكين أنذاك من قطيعة تامة وعداء خلال الحرب الباردة إلى تقارب دبلوماسى تاريخي، أدى إلى تطبيع العلاقات بعد أن اتفقت الدولتان على مبادئ التعايش السلمى وإدارة خلافاتهما الاستراتيجية الأمر الذى ساهم فى تعزيز الموقف الجيوسياسى للولايات المتحدة فى الحرب الباردة التى انتهت لصالح الأخيرة .
وفقاً للتقارير الإعلامية التى نقلت أحداث القمة، لم تسفر الاجتماعات سوى عن عدد محدود للغاية من النتائج الملموسة، رغم الزخم السياسى والإعلامى الهائل الذى أحاط بها.
فبالرغم من الحديث عن صفقات تجارية للجانب الأمريكى من أهمها موافقة الصين على شراء 200 طائرة من شركة «بوينج» – بحسب بلومبرج – فى صفقة بمليارات الدولارات تمثل أول طلبية صينية لطائرات تجارية أمريكية الصنع منذ ما يقرب من عقد، فضلاً عن الموافقة على استمرار الحوار بشأن الذكاء الاصطناعي، إلا أن المحللين السياسيين المتابعين لهذه الزيارة يرون أنه لم يكن هناك اتفاقيات يمكن اعتبارها تحولية بين القوتين.
سعى ترامب خلال زيارته إلى تحقيق مكاسب اقتصادية تضمنت مشتريات زراعية، وصفقات تجارية وتحسين الوصول إلى الأسواق، ومناقشات استثمارية، وتعاون يتعلق بإيران. كما سعت الإدارة إلى إطلاق نقاشات استكشافية حول الذكاء الاصطناعى ووضع ضوابط استراتيجية، لكن كثيرًا من هذه الأهداف بقى غامضًا أو معلقا مع انتهاء القمة.
فعلى سبيل المثال، صفقة بوينج خيبت آمال المحللين الذين توقعوا اتفاقات أكبر بكثير تقترب من حجم مشتريات الصين السابقة من منافستها «إيرباص» الأوروبية، فضلاً عن أن المسئولين الصينيين تجنبوا تأكيد الاتفاق بصورة كاملة وعلنية، مما أدى إلى انخفاض أسهم بوينج بأكثر من 4 ٪ بعد بث تصريحات الصفقة وفقاً لرويترز.
وبالمثل، بقيت تعهدات شراء فول الصويا غامضة، فيما أشار المحللون إلى أن الصين حوّلت مشترياتها الزراعية نحو البرازيل وأمريكا اللاتينية خلال فترات التوتر مع واشنطن.
وفيما يخص أزمة المعادن النادرة، أوضحت هايدى كريبو-ريديكر الباحثة فى مركز الدراسات الجيواقتصادية التابع لمجلس العلاقات الخارجية، إن المواجهة التجارية فى العام الماضى غيّرت جذريًا فهم واشنطن لحجم النفوذ الصيني، فقد فرضت بكين قيودًا واسعة على تراخيص تصدير العناصر الأرضية النادرة، والمغناطيسات المتقدمة، والتقنيات المرتبطة بها، وهى عناصر أساسية لأشباه الموصلات، التى تدخل فى معظم الصناعات الحديثة، منها السيارات، والبنية التحتية للطاقة المتجددة، وأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، وأنظمة الدفاع المتقدمة، والإلكترونيات الاستهلاكية.
ولفتت الباحثة إلى أن صناعة السيارات الأمريكية والأوروبية يمكن أن تتوقف بالكامل إذا قامت الصين بإعادة فرض القيود على تصديرالمعادن النادرة، مشيرة إلى أنه بالإضافة إلى ذلك، تحتاج أنظمة الصواريخ المتقدمة التى استُنزفت خلال العمليات فى الشرق الأوسط إلى هذا النوع من المعادن الأرضية النادرة التى تمتلكها الصين وتسيطر على إمداداتها، حيث أوضح المحللون أن هذه القضية كانت محورية خلف الأبواب المغلقة بالرغم من أنها لم تحظَ بحضور بارز فى البيانات الرسمية.
وفيما يخص تايوان، لم يتم التوصل إلى تفاهمات نهائية بشأن تايوان، فقد دخل المسئولون الصينيون القمة مصممين على وضع تايوان فى قلب العلاقة الثنائية. ووفقًا للمحللين والمشاركين فى النقاشات، ضغطت بكين بقوة أظهرت معارضتها الشديدة للخطاب الأمريكى لاستقلال تايوان ، مع اصرارها على فرض قيود على مبيعات السلاح المستقبلية وفقاً لرويترز.
فبحسب البيان الصيني، حذّر الرئيس الصينى ترامب بأن «التعامل الصحيح» مع تايوان يمكن أن يحافظ على استقرار العلاقة الثنائية. أما إذا أسيء التعامل مع الملف، فإن البلدين قد يواجهان «صدامات بل وحتى نزاعات».
فالصين باتت واضحة فى ربطها الاستقرار فى كامل العلاقة سواء من ناحية التجارة، والاستثمار، والأمن الإقليمي، بسلوك واشنطن تجاه تايوان.
ومن ثم، عكست القمة تطورًا أوسع فى الاستراتيجية الصينية. فلم تعد تايوان تُعامل بوصفها نزاعًا منفصلًا، بل أصبحت المبدأ المنظم الذى تقيس من خلاله بكين مجمل العلاقة مع الولايات المتحدة.
ومن ناحية إيران، دخل ترامب القمة أيضًا وهو يسعى إلى الحصول على تعاون صينى بشأن إيران وسط تصاعد التوترات فى الشرق الأوسط.
أرادت الإدارة الأمريكية أن تقلص بكين مشترياتها من النفط الإيراني، وأن تضغط على طهران باتجاه المفاوضات، وأن تتجنب تقديم مساعدات عسكرية أو استخباراتية تهدد القوات الأمريكية فى المنطقة.
ومن جانبها، كررت بكين معارضتها لانتشار الأسلحة النووية ودعمها لإبقاء مضيق هرمز مفتوحًا، لكنها تجنبت تقديم التزامات حقيقية. كما واصل المسئولون الصينيون الدفاع عن الشركات المحلية المتهمة من جانب واشنطن بانتهاك العقوبات المرتبطة بشراء النفط الإيرانى وفقاً لصحيفة فاينانشيال تايمز.
فبكين تريد الاستقرار الإقليمى لأنها تعتمد بشدة على واردات الطاقة وعلى استمرار حركة الشحن البحرى دون انقطاع. لكنها تستفيد جيوسياسيًا أيضًا عندما تصبح الولايات المتحدة منهكة عسكريًا وماليًا فى صراعات الشرق الأوسط.
وأشار المحللون إلى أن بكين باتت تنظر إلى الصراع مع إيران بطريقة مشابهة لنظرتهم إلى حرب العراق: باعتباره استنزافًا للموارد الأمريكية وفرصة استراتيجية لصعود الصين طويل الأمد.









